أخبار عاجلة
الرئيسية / الأخبار / عندما تتحول الأعياد الدينية الى كوابيس

عندما تتحول الأعياد الدينية الى كوابيس

altالحضارة ” أيام قليلة تفصلنا عن عيد الأضحى المبارك وهو مناسبة عظيمة كغيره من الأعياد الاسلامية التي يتم تخليدها في موريتانيا بحماس. عيد الأضحى، عيد المولد النبوي وعيد الفطر كلها أعياد إسلامية يتم تخليدها والاحتفال بها على نطاق واسع من قبل المسلمين في جميع أنحاء العالم. كل عيد من هذه الأعياد يرمز لذكرى أو مناسبة دينية خاصة. عيد الأضحى على سبيل المثال ويسمى أيضا بعيد النحر هو مناسبة عظيمة لتخليد قصة الفداء العظيم التي وردت في القرآن الكريم حيث كان سيدنا إبراهيم عليه السلام يستعد لذبح ابنه إسماعيل تلبية لأمر ربه وتم فديه بكبش سمين. عيد المولد النبوي يرمز لذكرى ميلاد الحبيب المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، أما عيد الفطر، فيرمز لنهاية شهر الصيام ويخلده المسلمين كل عام بحلول نهاية شهر رمضان.

جرت العادة في موريتانيا بأن يجلب أرباب الأسر لعائلاتهم مع حلول كل عيد ملابس جديدة، كبشا سمينا، و بالتأكيد مبالغ مالية يتم إنفاقها من قبل الزوجة لشراء حاجات وأغراض لا حصر لها. العادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية في موريتانيا لا ترحم والمجتمع لا يتفهم ويعامل الغني والفقير والعامل والعاطل على نفس الشاكلة. يتم تخليد هذه الأعياد في موريتانيا دائما بإفراط ومبالغة شديدين بغض النظر عن التعاليم الدينية التي تحظر تجاوز حدود الانفاق للموارد المالية للإنسان وتعفيه اذا كان فقيرا أو مسكينا حسب حالته المادية لذلك تسقط الاضحية عن اي مسلم غير قادر ماليا حسب تعاليم الاسلام وينطبق نفس الشيء على أمور كثيرة أخرى لأن دين الله يسرا ولا يكلف الله نفسا الا وسعها .

من المسلم به أن الغاية الشرعية من تخليد الأعياد الدينية خاصة هو استخلاص العبر والمعاني السامية من استحضار روح العيد وتطهير النفوس لكن عندنا يحدث العكس دائما، وبدل تنقية النفوس من ما يعلق بها من أدران من خلال القيام بأكبر قدر ممكن من أعمال الخير، يتخذ البعض من الأعياد الدينية فرصة للتباهي والافراط في الانفاق والتبذير ويتم تغييب روح العيد التي هي أسمى وأعمق دلالة من شراء بعض القماش والمأكولات. الموريتانيين يخلدون الأعياد الدينية ماديا لا معنويا أو روحيا كما يجب وقد ابتكروا حديثا طرقا باهظة أخرى لتخليد هذه الأعياد والتكاليف دائما تقع على كاهل الزوج أو المعيل للأسرة بشكل عام سواء كان الأب، الابن أو الأم في بعض الحالات.

مع اقتراب العيد في بلد مثل موريتانيا حيث ترتفع نسبة البطالة لتعانق الغيوم، يغادر آلاف الآباء العاطلين عن العمل أسرهم مع بزوغ الفجر في عملية بحث مضنية لا نهاية لها لتأمين الغذاء والدواء و الملابس لأطفالهم وأسرهم بالإضافة الى تأمين القوت اليومي. تخيلوا ضغوط أجواء العيد على هذه الشريحة في مثل هذه الظروف العصيبة في مجتمع لا يرحم! تتحول الأعياد الى كوابيس توقظ العديد من أرباب ومعيلي الأسر آناء الليل وتشغلهم أذهانهم أطراف النهار عندما يبدأ الحديث في البيوت عن العيد حيث يجب أن يكون كل شيء  جاهزا بحلول ذلك الوقت.

بعد أكثر من خمسة عقود من الاستقلال ، ماتزال موريتانيا غير قادرة على التخلص من بعض الأعراف والتقاليد البالية التي عفى عليها الزمن ولم تعد تصلح للعصر الحالي حيث مازال ينظر  للإناث على أنهن مجرد كائنات كسولة مستهلكة وغير منتجة. فمع تقلد المرأة الموريتانية للكثير من المناصب، لم تتغير نظرة المجتمع اليها ومازالت في أعين كثيرين مجرد جسد للمتعة ووعاء للإنجاب والاستهلاك وأن الانفاق مسؤولية يجب دائما أن تظل على عواتق الذكور. النساء في موريتانيا أكثر سعادة بالعيد من الرجال الذين يقضي معظمهم يوم العيد نائما حيث تكون الفرصة سانحة للراحة في ظل انصراف النساء الى شؤونهن والتخلص من الكوابيس التي كانت تؤرقهم في ليالي ما قبل العيد. .

تتميز العادات والتقاليد الموريتانية بالصرامة وعدم التفهم وقد ساهمت بشدة في تفاقم الأزمات الاجتماعية في البلد وهي السبب الأول لما يعرف بالتفكك الأسري. في بيئة اجتماعية متحجرة وقاسية يجد الكثير من الآباء أنفسهم مضطرين للفرار والنجاة بجلودهم من عادات لا تطاق حولت حياتهم الى جحيم تاركين خلفهم أطفالا لا ذنب لهم غير أنهم ولدوا في الزمان والمكان الخطأ.

الزوج على سبيل المثال، تلتزمه التقاليد والعادات بتلبية رغبات لا تنتهي أبدا وكثير منها خارج عن نطاق أسرته “زوجته وأطفاله” ليشمل الأصهار والإخوة والأخوات بالإضافة طبعا الى الضيوف والأقارب وكل من هب ودب. تخيلوا مدى الاحراج الذي يقع فيه أرباب الأسر الفقيرة والعاطلين عن العمل أيام الأعياد والمناسبات الأخرى كحفلات الزفاف وغلاء المهور وارتفاع الأسعار الجنوني للمواد الضرورية للحياة اليومية في مجتمع قاس ومادي حتى النخاع وزاده العيش في زمن الرأسمالية المتوحشة جشعا. كل هذه العقبات تظل حاضرة في كل أمور الحياة الموريتانية بأدق تفاصيلها من المهد الى اللحد.

كيف نتشبث بعادات وتقاليد بالية وتفتقر الى الواقعية تعود إلى أيام الريف عندما كان الموريتانيين يمارسون طقوس البداوة في خيام مفتوحة متناثرة في الصحراء؟ هذه ليست ثورة على التقاليد بقدر ماهي مراجعة لموروثنا الشعبي من عادات وتقاليد لغرض  تنقيتها ومواءمتها مع الحاضر. عندنا عادات نبيلة يجب أن نحافظ عليها من الاندثار في ظل العولمة وعالم القرية الواحدة، وعندنا بالمقابل عادات سحيقة لا تصلح للعادة ولا للعبادة ويجب أن تتبوأ مكانها المناسب في مزبلة التاريخ.

عبدالمطلب عبدالودود

شاهد أيضاً

وفاة طفلين بسبب الجوع شرقي موريتانيا

توفّي طفلان على الأقل بسبب الجوع في قرية انولل التابعة لمقاطعة النعمة عاصمة ولاية الحوض …