الرئيسية / المقالات / عزيز علي خطى ديكول وبسند أقوى / محمدي ولد آم….

عزيز علي خطى ديكول وبسند أقوى / محمدي ولد آم….

لم يكتف الجنرال ديكول بما جاء في دستور الجمهورية الخامسة سنة 1958 من تقوية لمركز الرئيس في مواجهة البرلمان بعد ما سببه النظام البرلماني

في الجمهوريات التي سبقته من عدم استقرار سياسي أثر علي مختلف أوجه الحياة في فرنسا وأدخلها في حلقة مفرغة من تشكيل الحكومات وحلها،بل سرعان ما أدرك أن هذا الدستور

 رغم توسيعه للجسم الانتخابي الذي يختار الرئيس حيث لم يبق مقتصرا على أعضاء البرلمان فقط بل شمل أيضا أعضاء مجالس المحافظات وممثلين منتخبين من المجالس البلدية وغيرهم لم يحرر الرئيس من ضغوط البرلمانيين ولم يوفر للسلطة التنفيذية البيئة اللازمة لممارسة صلاحياتها في جو من الاستقرار والحرية، فقرر في خطاب له بتاريخ 20 سبتمبر1962 أنه سيجري تعديلات دستورية بالاستناد إلى المادة11 من الدستور الفرنسي المأخوذة منها المادة 38 من الدستور الموريتاني،يهدف إلى جعل الرئيس ينتخب بالاقتراع المباشر وتجريد البرلمانيين وغيرهم من الحق في انتخاب الرئيس.

فالمادة11 من الدستور الفرنسي تجيز لرئيس الجمهورية بناء على اقتراح من الحكومة أو بناء على اقتراح مشترك من المجلسين ينشر في الجريدة الرسمية أن يعرض على الاستفتاء أي مشروع قانون يتضمن تنظيم السلطات العامة أو الإصلاحات المتعلقة بالسياسة الاقتصادية أو الاجتماعية أو البيئية للأمة، أو بالمرافق العامة التي تساهم في ذلك،أو يهدف إلى الترخيص بالتصديق على معاهدة دون أن تتعارض مع الدستور قد ترتب آثارا على سير المؤسسات.
وقد كان قرار ديكول هذا استبعادا واضحا وتجاهلا للإجراءات التي ينص عليها الدستور الفرنسي في المادة 89 منه تحت باب تعديل الدستور والمماثلة هي الأخرى للمواد 99-100-101 من الدستور الموريتاني.
لم يفكر ديكول للحظة بالرجوع للبرلمانيين لتجردهم من حقهم في اختيار الرئيس انطلاقا من معرفته التامة لقاعدة بديهية وهي أن النفس البشرية مجبولة على حب السلطة  والنفوذ، فكيف يتوجه للبرلمانيين وهو يطلب منهم تقليص صلاحياتهم وسلبهم حقهم الدستوري في انتخاب الرئيس و عنده المادة11 من الدستور التي تجيز له أن يطرح على الاستفتاء الشعبي المباشر أي مشروع قانون متعلق بتنظيم السلطات العامة للدولة ولا شك أن الدستور هو الذي ينظم هذه السلطات ،أي أن الرئيس يملك حق اللجوء إلى الاستفتاء المباشر لتعديل الدستور أصلا إضافة إلى امتلاكه حق المبادرة وما يتعلق بها من الإجراءات المنصوص عليها في المادة89،وفعلا قدم ديكول مشروع التعديلات للاستفتاء يوم 28 أكتوبر1962 فوافق عليها الشعب وتم نشرها ودخلت حيز النفاذ في 6 نوفمبر من نفس السنة، وهكذا أصبح رئيس الجمهورية الفرنسية ينتخب بالاقتراع العام المباشر من الشعب.
لقد أثارت هذه الخطوة حينها حفيظة البرلمانيين وبعض القانونيين رغم وضوح النص، فقدمت الجمعية العامة الفرنسية في 5 أكتوبر ملتمس رقابة ضد الحكومة لأنها تقدمت رسميا باقتراح مشروع التعديل مما أرغمها على تقديم استقالتها، وأصدر الرئيس قرارا بحل الجمعية الوطنية، لكنها خطوة أسست فعلا لقيام النظام شبه الرئاسي في فرنسا الذي أصبح نظاما من الأنظمة الدستورية المعروفة عالميا ونموذجا يحتذي في دول كثيرة من العالم منها بلادنا،كما أنها مكنت الشعب من حقه في اختيار رئيسه مجسدة بذلك روح المبادئ التي تؤكدها جميع الدساتير في الدول الديمقراطية من أن الشعب هو مصدر كل سلطة وأن السيادة الوطنية ملك للشعب.
وقد أعاد التاريخ اليوم نفسه فهاهو الرئيس محمد ولد عبد العزيز يقرر ممارسة صلاحياته الدستورية و يستند إلى المادة38 من الدستور لإجراء تعديلات دستورية بعد ما عول على انسجام أعضاء مجلس الشيوخ مع خيارات الأغلبية التي ينتمون إليها،متناسيا بذلك القاعدة البديهية التي أدركها ديكول جيدا وهي أن النفس البشرية مجبولة على حب السلطة والنفوذ.
فإذا كان البرلمانيون الفرنسيون لم يقبلوا التنازل عن جزء من أحد صلاحياتهم وهو المشاركة في انتخاب الرئيس في منتصف القرن العشرين حيث مازالت أنوار الثورة الفرنسة تخطف الأبصار وهي المحملة بفلسفات تقديس الفرد وحريته وتقدير دور الشعب وحقه في حكم نفسه بنفسه ، فإن مجلس الشيوخ الموريتاني في القرن الواحد والعشرين لن يقبل الموافقة على حل نفسه.
مع أن السند الدستوري الذي يملكه رئيس الجمهورية في المادة38 من الدستور أقوى وأوضح  وأشمل من ذلك الذي كان يملكه ديكول في المادة 11 من الدستور الفرنسي، فالمادة 38 من الدستور الموريتاني تنص علي أنه” لرئيس الجمهورية أن يستشير الشعب عن طريق الاستفتاء في كل قضية ذات أهمية وطنية”،فلم تقيد المادة 38 حق الرئيس في اللجوء إلى الاستفتاء المباشر بتقديم مقترح  من الحكومة ولا بوجود البرلمان  في دورة عادية أو غير عادية كما تقرر المادة 11 من الدستور الفرنسي ،ولم تقيد هذه المادة حق الرئيس في اللجوء إلى الاستفتاء المباشر بموضوعات معينة كتنظيم السلطات أو الإصلاحات السياسية أو الاقتصادية للأمة كما فعلت ذلك المادة 11 من الدستور  الفرنسي بل تركت له الخيار مفتوحا فهو وحده الذي يقدر الأهمية الوطنية للقضية التي يريد استشارة الشعب فيها دون  الإستناد إلى أي سلطة أخري أو مشاركتها في القيام بهذا الحق فهو اختصاص خاص مستقل حسب تصنيفات فقهاء القانون الدستوري،فلا تخلطوا القانون بالسياسة ودعوا الشعب يختار، فأقدس القرارات وأكثرها ديمقراطية هي تلك التي يقررها الشعب مصدر كل سلطة.
 

محمدي ولد آم / خبير قانوني

شاهد أيضاً

رقابة الصفقات والضحك على الذقون / مولاي احمد ولد محمدو

قد يتعلق بعض الغيورين على هذا الوطن من أبنائه وغيرهم من أصحاب النوايا السليمة بقرار …