أخبار عاجلة
الرئيسية / الأخبار / اقتصاد / المال والعملة // بقلم الدكتور / محمد ولد محمد الحسن – أستاذ جامعي

اقتصاد / المال والعملة // بقلم الدكتور / محمد ولد محمد الحسن – أستاذ جامعي

كلما كانت الاشياء أكثر غرابة وأبعد من مدارك الانسان كلما كان دافع التطلع لديه أقوى وأشد ، وكانت المسافة الفاصلة بينه وبين تلك الأشياء في بعد يسمح باستكشافها رغم كونها تبدو له لاول وهلة كالظواهر الميتافيزيقية ،

 وهذا عكس بعض الاشياء التي يكون الاعتياد عليها حائلا دون إثارة الفضول كما يكون القرب منها مانعا حتى من التطلع إلى إدراك حقيقتها .. 

فالتعود والقرب قد يمنعان الانسان من النظرة الفاحصة المؤدية الى الاستكشاف ويحجبانه حتى عن معرفة كونه جاهلا بهذا القريب المعتاد وقديما قيل القرب حجاب .. والعادة أيضا كذلك وأقرب مثال على ذلك شأن الانسان مع الماء والطعام الذين يستعملهما يوميا ولا يعرف كثيرا من خصائصهما ولا تركيبتها ولا قيمتهما الغذائية .

هذا هو حالنا اليوم في موريتانيا مع الاقتصاد بصفة عامة ومع العملة والبنك بصفة خاصة ..

ووعيا منا بهذا الواقع الذي تكاد تنطفئ فيه شموع المعرفة في بلدنا وتستحيل جمراته إلى رماد ويمثل الجهل وانعدام الثقافة فيه أكبر تهديد لمستقبلنا.

وهذا الظرف الذي تعكس فيه إداراتنا القضية ليمكث الزبد في الارض ويذهب ما ينفع الناس جفاء . وطلاب مؤسساتنا التعليمية يتهيبون المعرفة ويتحفزون للحصول على شهادات التخرج .

وعيا منا لكل هذا ولاسباب جمة ارتأينا ان نخوض معمعة الشؤون الاقتصادية والمالية ونسلط الضوء على ما جهله الناس منها رغم اشتباكها بواقعهم اليومي -لكونها مما حجبه القرب والعادة – ونحاول تقديمه للقراء بصفة مبسطة وموجزة يسهل على الجميع استيعابها .

ولنزيل الوهم السائد في ظن الكثيرين الذين يعتقدون ان العلوم الاقتصادية خاصة الظواهر النقدية والبنكية حكرا على العباقرة او عمالقة الاختصاص ونقاسمهم قولة الاقتصادي الشهير غولبرايت الذي يقول ما من امور في مجال الاقتصاد الا ويستطيع متوسط الذكاء فهمها .

وايضا لنوقد ولوجه الله شمعة صغيرة في ظلمات الجهل المتركب من الجهل بالاقتصاد والجهل بالقدرة على فهمه خاصة حين يزيد المتكالبون عليه الطين بلة بتعقيد نظرياته على الاخرين ..

ولكون اللغة العربية لغة غالب الجمهور فقد استعنت بالأخ الحسن بن محنض لترجمة هذا النص من أصله الفرنسي ونشره في يومية الامل الجديد وسينشر النص الفرنسي لاحقا في موقعه المناسب.

ونبدأ هذه السلسة من المقالات بظاهرة ندرة النقود .

العملة في سيول الخريف وجفاف الصيف

كم من مرة قد سمعتم في نواكشوط انه لا سيولة في هذه السنوات ؟ أو هذه فترة تندر فيها العملة قياسا بفترات كانت فيها السيولة أكثر من هذا ؟

كم من فم تكلم بهذا الخبر وتناقلته الافواه ومن أذن تلقفته ؟

تقريبا تدور هذه المقولة على ألسنة كل الناس وقليل من يتناولها بالتحليل أو التعليل بل الغالب أن ترى الشخص متوقفا عندها حائرا أمامها كأنها من أمور الما ورائيات التي نعجز عن تفسيرها ومعرفة أسبابها بل حتى عن المغامرة بقول أي شيء عنها .

لكننا سنقول هنا للقراء لماذا تند السيولة ونجيب على السؤال الدائر الحائر الذي لم نسمع من تعرض له في الميديا من الاقتصاديين او السلطة أو السياسيين وأحرى الأكاديميين ، ونتعرض له ولكن من الناحية الاقتصادية البحتة أي أكاديميا فقط.

فاسمعوا مني  ،

النقد أو العملة كائن حي يولد ويعيش ويتنقل ويستريح وينام ويموت – كأي كائن حي على وجه البسيطة – يولد ويعيش ويموت في أسواق البضائع والخدمات في أرض معينة وسوق معين..

وإذا كانت الولادات لكميات العملة أكثر من الوفيات في السوق فإن الدفع حينئذ يكون باتجاه الوفرة النقدية وإذا فاقت الوفيات الولادات فإن العملة ستتجه لا محالة الى الندرة لتنشأ عن ذلك أزمة في السيولة.

بعبارة أخرى إذا كانت العملة التي تدخل السوق تزيد عن التي تخرج منه فسيتوفر فائض من النقد يسهل جريان المعاملات كما يؤدي دهان قطع الحديد بالزيت الى سلاسة جريانه ، ويساهم الفائض النقدي أيضا في نمو النشاط الاقتصادي .

أما إذا فاقت العملة الخارجة المائتة العملة الداخلة المولودة فإن الندرة وأزمة السيولة يدفعان إلى ركود النشاط الاقتصادي.

وإذن فعلينا أن نعرف كيف تولد العملة ومن أين تأتي وكيف تموت وإلى أين تذهب ؟

1-    ميلاد العملة :

العملة تولد إذا كان للبنك سلطة وقدرة على خلق عملة بواسطة إقراضه لعميل اقتصادي ينشط في قطاع حقيقي من سوق معين.

والمصرف يكتسب هذه السلطة لخلق العملة بإذن الدولة له بمزاولة مهامه، إذ أن العملات من الأمور السيادية للدول كالدفاع والدبلوماسية. وتتجلى قدرته العملية على خلق العملات فقط فيما إذا كان مسموحا له بفتح حسابات إيداع للجمهور تلك الحسابات التي هي بمثابة اللوح الذي يسجل عليه عمليات الاقراض ، وبغياب هذا اللوح أي حسابات الودائع فلا يمكن الإقراض ولا متابعته وبالتالي لا يمكن خلق العملة بهذه الطريقة.

نسمع أحيانا يقال في وسائل الاعلام وأيضا من المختصين بأن ودائع الجمهور لدى البنوك هي التي تسمح لهذه البنوك بالقيام بالإقراض .وهذا خطأ شائع .. والصحيح هو العكس فالقروض هي التي تنتج الودائع وليس العكس ، وسنرجع الى هذه النقطة بالتفصيل لاحقا..

لنتذكر ان النظام المصرفي القائم على هذه البنوك المأذونة بفتح حسابات للجمهور إذا أقرض مثلا مبلغ 20 مليار لعملاء اقتصاديين من القطاعات الحقيقية فمعنى ذلك ولادة 20 مليار من العملة وبعبارة أخرى دخلت إلى السوق .

أما إقراض البنك للعميل المالي سواء كان العميل مصرفا أو غير مصرف فهذا القرض يعتبر عملة بينية بين البنوك لأنها ليست وسيلة للقضاء ولا للتبادل في السوق وبالتالي فهي لا تعتبر عملة ولا تضيف الى السوق شيئا . وهذا المصدر من العملة متهم دائما بأنه يولد التضخم ، وهذا صحيح مع أن كل شيء في الاقتصاد نسبي .. وسنعود لهذه النقطة فيما بعد..

2-     العملة تدر من مصدر آخر كما الحليب من ضرع الناقة في حالة ما إذا رغب إنسان أو هيئة في اقتناء أو الحصول على كمية من عملة بلد ما مقابل عملة بلد آخر. فإذن إذا دفع شخص ما عملة بلد آخر ليأخذ قيمتها من العملة المحلية فهذا يعتبر خلق كمية من العملة إضافية جديدة تدخل السوق .ولا نحتاج القول بأن أقيام الصادرات التي ترجع الى الوطن تزيد هي الأخرى كميات العملة مثل القروض الاجنبية وتحويلات المغتربين في الخارج ، كل هذا يضاف الى الكمية التي نشأت عن إقراض البنوك كما رأينا سابقا..

فيولد عملات إضافية ..

ونرى على سبيل المثال أن ولوج مائة مليون يورو الى السوق الموريتاني يولد 38 مليار أوقية تقريبا جزء منها يتنقل وجزء يستريح وجزء ينام ، وسنتطرق لا حقا لما يمر على العملة من لحظة ولادتها الى مماتها ..

وهذا المصدر من العملات مرغوب عند الاقتصاديين والدول ويعتبرونه أقل تضخمية مما سواه وهذا صحيح ولكن كل شيء في الاقتصاد نسبي وسنعود لهذه النقطة أيضا لاحقا .

3-     الحالة الثالثة من ولادات العملة فيما إذا أقرض البنك المركزي الدولة عن طريق حساب الخزينة العامة في البنك المركزي قرضا  لتمويل نفقات لصالح عملاء اقتصاديين عمالا كانوا او موردين ، وهذا هو ما يسمى بعملة ابلانش آبيى .

هذه أيضا عملة داخلة للسوق وهو مصدر خطير وغير مسؤول وتضخمي وهذا على العموم صحيح ولكن مجال الاقتصاد كله تطبعه النسبية  وسنعود لذلك ايضا..

فمثلا إذا اقترضت الدولة عن طريق الخزينة 12 مليارا لسداد رواتب فهذا رافد إضافي سينصب في السوق مع الروافد التي سبقته ليصل المجوع الى 70 مليارا تمت ولادتها 20 منها من اقراض البنوك وثمانية وثلاثين من عملة اليورو و12 مليار قرض الدولة على الخزينة.

ولنفهم كيف تموت العملة وتخرج من السوق وتتناقص أطال الله بقاءكم وأغناكم يكفي أن تقرأوا هذا الاستقراء بالمقلوب

نترككم مع هذه الحزورة للتدخل القادم

ترجمة الحسن بن محنض

 

 

شاهد أيضاً

عدد من أعضاء الحكومة يعلقون على نتائج اجتماع مجلس الوزراء

علق معالي وزير التعليم العالي والبحث العلمي وتقنيات الإعلام والاتصال، الناطق الرسمي باسم الحكومة، السيد …