أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / من الذي صنع “إشاعة السبت”؟

من الذي صنع “إشاعة السبت”؟

سيقول لك الموالون إن المعارضين هم من صنعوا تلك الإشاعة، وaltسيجيبك المعارضون بأن الموالين هم من طبخوا تلك الإشاعة على نار هادئة، لكن قواعد “علم النفس الإعلامي”، تقول إن الإشاعة لا يمكن أن تولد فجأة، بل هي محصلة لتراكم جملة من العوامل والظروف:

وقبل الإجابة على السؤال، لابد من العودة أولا إلى مساء ال13 من أكتوبر، فالحادث الذي وقع يومها لم يكن عاديا البتة، كما أن الظروف المحيطة به لم تكن طبيعية أبدا.

فأن يصل رئيس الجمهورية فجأة إلى المستشفى العسكري، وهو مصاب بطلق ناري، ويخضع لعملية جراحية مستعجلة، قبل أن يغادر إلى فرنسا لاستكمال العلاج، فذلك أمر جلل، لا يمكن أبدا التعامل معه، حتى في الظروف العادية، كحدث عابر، أو كقوس يمكن إغلاقه في اليوم التالي.

وإذا أضفنا إلى ما سبق، أن الواقعة حدثت في جو سياسي مشحون، يطبعه الاحتقان والأخذ والرد بين النظام والمعارضة، سنجد أن الأرضية الخصبة لكل أنواع الإشاعات قد تهيأت، وأن الهم الأول الذي كان على الجهات الرسمية، أن تضعه نصب أعينها خلال الأيام التي تلت الحادث، هو قطع الطريق أمام تلك “الإشاعات” المحتملة.

لكن الذي حدث هو العكس تماما، إذ حاولت الحكومة، ومنذ اللحظة الأولى، إيهام الجميع “الطبقة السياسية، وسائط الإعلام، الشعب الموريتاني”، بان ما حدث شيء عادي جدا، دون أن تدري أنها بذلك إنما كانت تغرس البذرة الأولى، للإشاعة التي ستزهر فجأة مساء يوم السبت ال27 من أكتوبر.

والواقع أن التساؤل عن من صنع تلك الإشاعة، هو سؤال غير دقيق، إذ أن أهم خصائص الإشاعة والتي تميزها عن الخبر، هي أنها مجهولة المصدر.

ولذلك علينا الانتقال إلى السؤال التالي وهو: من يتحمل المسؤولية في تهيئة الظروف المواتية لمثل تلك الإشاعة، والتي جعلتها تسري في جسم البلد كله، كما النار في الهشيم؟

طبعا هناك جهات عديدة يمكن أن نحملها وزر”إشاعة السبت”، لكن الجانب الأكبر من المسؤولية، يقع على عاتق الجهات الرسمية، التي راكمت الخطأ تلو الخطأ، ليصل الأمر إلى ذروته في ذلك المساء:

لقد كان الخطأ الأول، الذي ارتكبته الحكومة، هو إرسال وزير الاتصال إلى التلفزة الرسمية، ليسرد تفاصيل الحادث، إذ كان ذلك يعني بالنتيجة القطيعة التامة مع وسائل الإعلام الأخرى، في وقت كانت فيه السلطات في أمس الحاجة، إلى مد جسور تواصل مع  تلك المنابر الإعلامية، تفاديا للإشاعات والأنباء غير المؤكدة.

كان  يمكن لوزارة الاتصال ليلتها، الدعوة لمؤتمر صحفي استعجالي، سواء في مباني الوزارة أو حتى أمام المستشفى العسكري، يحضره ممثلون عن كل الوسائط الإعلامية “الالكترونية والمكتوبة والمسموعة والمرئية” سواء الرسمية منها أو غير الرسمية، مما كان سيشكل بداية للتواصل بين الجهات الرسمية والإعلام الوطني، وسدا للباب أمام الكثير من الشائعات.

وكان يمكن لوزارة الاتصال أيضا، أن تبرمج نقطة صحفية يومية أو نصف أسبوعية، لرفد الإعلاميين بآخر الأخبار حول صحة الرئيس.

لم يحدث شيء من هذا ولا ذاك، بل غاب “الفعل الإعلامي الرسمي”، عن المشهد كله، فبدأت وسائط الإعلام، تفتش في دفاتر عناوينها عن من يمكن الاعتماد عليهم للوصول إلى المعلومة المغيبة، فأختلط الحابل بالنابل، وكان من الطبيعي جدا، أن تعيش الإشاعة أزهى أيامها، خاصة في مجتمع لديه استعداد فطري، لاستهلاك كل أنواع الإشاعات.

الخطأ الثاني، تمثل في “المقابلة الحصرية”، إذ كان على إدارة الاتصال والعلاقات العامة في قيادة الجيش الوطني، أن تدعو إلى مؤتمر صحفي مفتوح، لشرح  ملابسات حادث إطلاق النار على الرئيس، بدل اختيار التلفزة للقيام بالمهمة، خاصة وأن مصداقية وسائل الإعلام الرسمية، تهبط عادة إلى أدنى مستوياتها، في مثل هذه الظروف.

هذا الاختيار غير الموفق، جعل تلك “المقابلة الحصرية”، والتي كان  يفترض أن تقدم أجوبة شافية للأسئلة المطروحة، تزيد الطين بلة وتضيف نقاط استفهام جديدة إلى تلك الموجود أصلا، وهي وضعية ساهمت لاحقا، في إذكاء نار الإشاعات حول صحة الرئيس.

وأما الخطأ الثالث، فيتلخص في إحجام الحكومة، عن استثمار ما عرف ب”الموقف الأخلاقي والإنساني للمنسقية”، إذ كان من المفروض غداة إعلان المنسقية عن تعليق أنشطتها، أن يقوم الوزير الأول باستقبال زعمائها، ليشكرهم على هذا الموقف النبيل، وليعدهم برفدهم يوميا بآخر الأخبار حول صحة الرئيس.

ومرة أخرى حدث العكس، ولم تكن الحكومة في الموعد، وضاعت فرصة أخرى ل”سد الذرائع”، عندما  تجاهلت الحكومة رسالة المنسقية أو لم تفهمها، فكان على تلك الأحزاب أن تبحث هي الأخرى، في دفاتر عناوينها، عن مصادر “موثوقة  أو مطلعة”، تستقي منها المعلومات.

ثم جاء الخطأ الرابع، أو ما يمكن أن نطلق عليه مجازا “الخطأ القاتل”، والذي كان بمثابة القشة التي قصمت البعير، “رسالة خطية من رئيس الجمهورية إلى الشعب”، بمناسبة عيد الأضحى المبارك.

هفوة إعلامية لا تغتفر، كان يمكن تفاديها ببساطة، لأن العادة لم تجر أبدا بأن يخاطب الرئيس الشعب في هذه المناسبة.

والغريب أنه عندما تم في تلك الأمسية، تداول أنباء مفادها أن الرئيس أرسل خطابا مصورا، تمت مصادرته بسبب الحالة الصحية المتردية للرجل، لم تكلف أية جهة رسمية نفسها عناء التصدي لتك الأنباء وتكذيبها.

وهكذا أصبح الموريتانيون يوم الجمعة ال26 من أكتوبر، وهم على أتم الاستعداد لتصديق كل ما يمكن أن يقال عن صحة الرئيس ومستقبل السلطة في موريتانيا، ولولا انشغال الناس بتفاصيل العيد، لكانت الشائعات بدأت يومها، ولذلك ما كاد أول أيام الأضحى  ينقضي، حتى أمسى الموريتانيون على “شائعة السبت”.

باختصار كل أصابع الاتهام، تشير إلى الجهات الرسمية، بسبب تقاعسها عن أداء دورها في ظرفية إعلامية لا تحتمل الفراغ، لكن السؤال الأهم الذي يجب أن نطرحه اليوم هو: هل ستستفيد تلك الجهات من هذه التجربة المريرة، أم أن حليمة ستبقى مصرة على عادتها القديمة؟

لننتظر ونرى

آراء حرة

شاهد أيضاً

مقال مميز في ذكرى رحيل المناضل محمد محمود ولد محمد الراظى

طالعت يوم أمس في أحد المواقع الألكترونية مقالا تحت عنوان “الوالد محمد محمود ولد محد …