أخبار عاجلة
الرئيسية / الأخبار / عبيد: المحرقة رفض للدعوات المتكررة إلى إحياء النخاسة وإهداء الجواري

عبيد: المحرقة رفض للدعوات المتكررة إلى إحياء النخاسة وإهداء الجواري

في هذه المقابلة التي تعتبر أول إطلالة إعلامaltية للمناضل الحقوقي والناطق الرسمي باسم المبادرة من أجل انبعاث الحركة الانعتاقية الأستاذ عبيد ولد إيميجن منذ خروجه مع بقية رفاقه من تجربتهم الأخيرة في السجن، يستجوب مندوب أنفاس ولد إيميجن عن تفاصيل وملابسات المحرقة، كيف تمت؟ من كان موافقا عليها وضالعا في تنفيذها، ومن كان يرفضها، وهل هناك من لم يشعر بها إلا بعد الإقدام عليها؟ وكيف كانت نظرة “إيرا

للمقربين منها الذين تبرؤوا منها غداة اعتقال رئيسها الأستاذ بيرام ولد الداه ولد اعبيدي، ويسائله عن ما اذا كانت هذه المحنة تركت للمبادرة من أجل انبعاث الحركة الانعتاقية اشخاصا او هيئات تستحق عليها الشكر والعرفان؟ وعن كيف كانت تصلهم اصداء المطالبين باعدامهم؟ وكيف تمت ملابسات السجن والتحقيق وما هي المعاملات الأقسى التي تعرضوا لها؟ ثم ما هي حصيلة “إيرابعد كل هذه المحنة التي تعددت فصولها والخطوات القادمة التي تعتزم الدخول فيها؟ وما علاقتها بما كانت تطلق عليه المبادرة “ربيع لحراطين”؟

في هذه المقابلة أيضا يتكلم الأستاذ عبيد بكل أريحية وصراحة عن حياته العاطفية وعن مدى تأثرها بوضعه الشرائحي والطبقي، ويستفيض بكل جرأة في الحديث عن تجربته الشخصية مع العبودية ويسترجع ما بقي عالقا بذاكرة عبيد الصغير” من تلك المشاهد والممارسات الاستعبادية التي فتح عليها عينيه، كما يعرج على بداية مشواره في التصدي للعبودية، ويتحدث بوضوح وشفافية عما إذا كان واقعه الحالي ضمن له التخلص من ملاحقة “لعنة” الاسترقاق، ثم يتوقف عند تقديره لوجود العبودية في الواقع الموريتاني الحالي، ويبسط بعد ذلك رؤية مبادرة “إيرا” لحلحلة مشكل الاسترقاق، ويحدد علاقتها بأقطاب حركة الحر.

مقتطفات من المقابلة:

محرقة الكتب الممجدة للعبودية… حادثة مأسوف عليها حقا، لكنها كانت مبررة حيث أن المتون الفقهية التي تتضمنها تمثل أكبر عائق أمام تحقيق دولة القانون والعدالة، حيث لا زال رجال الدين والفقهاء يتبجحون بمضامينها المارقة على الدين وهي مضامين تؤسس لمجتمع اللاعدل والهمجية، كما تكرس لقيام دولة تيوقراطية يحكمها الفقهاء والأئمة وخريجي المحاظر، وهذا سلوك ومنهاج مرفوض جملة وتفصيلا من قبلنا بالنظر إلى تعارضه ظاهريا مع النسق الديمقراطي المتبع لدينا…” و” إن الذي أخرج ملاك العبيد ليس الإنتصارا للشيخ خليل أو للكتب بل هــو كامن في سعيهم إلى ترسيخ قيم زائفة ولا تمت إلى الدين أو الإنسانية بصلة، ولكي يواصلوا على سجيتهم الفاسدة تشكيل مجتمع تراتبي وطبقي غيــر عادل بالمرة ومن شأنه الإبقاء على مكانتهم الواهية، وفي النهاية هم يريدون مجتمعا مغلقا، أصم ومن دون أبواب ولا نوافذ” كما يقول سارتر”. ومن هؤلاء “الرئيس السابق للمجلس الإسلامي الأعلى “محفوظ ولد أبراهيم” الذي أفتى بإعدام بيرام ولد الداه، قبل أن يطالب بــ”أتمرميدو، وبالمناسبة فإننا سنتابع قضائيا هذا القاضي سيئ السمعة في المجال القضائي لجريرته وإفتراءاته على الإسلام وممارسته للدجل والشعوذة في وسيلة إعلامية عامة“. إذن ” دواعي المحرقة تصب في اتجاه رفض العمل بمكيالين من قبل الدولة حيال أبناء المجتمع الواحد، كما هي تعبير عن رفض التصريحات المتوالية والمتكررة التي أطلقها رجالات دين محليون وخليجيون والتي تدعوا إلى إحياء أسواق النخاسة وإهداء الجواري، ولقد أوصلت المحرقة أهدافها بأمانة“.

نص المقابلة:

المناضل عبيد نشارككم فرحة خروجكم من السجن، فهل تسمحون؟

عبيد ولد إميجن: حين كنت في الزنزانة علمت بإطلاقكم لموقع أنفاس، لذلك هو موقع يرتبط عنــدي بفترة السجن وما رافقها من تطلع للحرية والإنعتاق.. أنا جد مسرور به كإضافة نوعية لأنني أعرف وأثق إلى حد كبير في الطاقم الإعلامي الذي يسيره، ألف مبروك وأنا على إستعداد للإجابة في حدود ما هو مسموح به لسجيــن في وضع الحرية المؤقتة.

في البداية متى بدأتم أنتم عبيد ولد ِإيميجن التصدي للعبودية، وكيف كان ذلك؟

عبيد ولد إميجن: في العام 1998 تقريبا كتبت مقالا نقديا يتعرض لهموم الطبقات السفلى في المجتمع الموريتاني ويشخص تحديدا لمعضلة العبودية، وتقدمت بالمقال إلى جريدة “موريتاني-نوفيل” بنسختها العربية، وفي الغــد أبلغني رئيس التحرير أن وزارة الداخلية صادرت العدد طبقا لمقتضيات الأرتيكل 11 بإعتباره يتضمن مقالا مزعجا جدا للسكينة العامة!، هــذا فيما يخص أول شيء..، بعــد ذلك بفتــرة طويلة بدأت أتطلع إلى المساهمة في مناهضة الاستــرقـاق، وهــو ما يتضح من خلال مناداتنا الدائمة بالحقوق المدنية والسياسية والثقافية لمجتمع لحراطين ومع ذلك فإعتقادي بأنني لا زلت مقصرا بات راسخا، وحيث أن تجربتي النضالية لا زالت في بدايات مشوار قد يطول.

هل مورس عليكم أنتم عبيد الاسترقاق أصلا؟

عبيد ولد إميجن: عندما ولدت في أواخر السبعينات بقرية “أنباك” فــي منطقة آوكار كـانت عوامل القحط والجفاف تضرب بشكل حاد منطقتنا وتواصــل إرغام مزيد من العبيد والعبيد السابقين للإبتعــاد والنزوح إلى المدن، لقــد كنت حينها صغيـرا ولكــن مشاهد العبودية تبقى عالقة فــي ذاكـرتي ويمكنني أن أجزم لك بأنني عشت العبودية وعايشتها بشكل مباشر، كما أنها مورست علي بعض أفراد أسرتي أيضا. ومن الجديــر ذكــره أن الأسياد التقليدييـن كانوا يفـدون بإنتظام على منزلنا بمقاطعة أبـي تلميت حينها حيث تفرش لهم جدتي غطاءها الأثيــر(فـرو)، وتبقى في الذاكرة تلك المشاهد التي هي أقرب ما تكون إلى لقطات الفيلم الأمريكي 30 يوما من الليل (30 days of night).

لقد كانت طبيعة العلاقة التي طبعت الغالبية من مجتمع العبيد تتسم بالدونية بسبب الأصل والمولد، بالرغم من أنه مؤسسيها هم زعماء قبليــون يتكئون في نظرتهم إلى الآخر على تزوير الأنساب والأصول كما يتخذون من الدين مطية لتبرير نمط حياتهم الفاسد والهمجي..، وهم نفس الأشخاص الذين خرجوا يرغدون ويزبدون مطالبين بإعدام “فتية آمنو”، إن الذي أخرج ملاك العبيد ليس إنتصارا للشيخ خليل أو للكتب بل هــو كامن في سعيهم إلى ترسيخ قيم زائفة ولا تمت إلى الدين أو الإنسانية بصلة، ولكي يواصلوا على سجيتهم الفاسدة تشكيل مجتمع تراتبي وطبقي غيــر عادل بالمرة ومن شأنه الإبقاء على مكانتهم الواهية، وفي النهاية هم يريدون مجتمعا مغلقا، أصم ومن دون أبواب ولا نوافذ” كما يقول سارتر.

هل شعرتم في لحظة ما أن لعنة الاسترقاق تلاحقكم إلى اليوم؟

عبيد ولد إميجن: كما تقول الأدبيات التقدمية فإن العبد الذي يعي عبوديته ويناضل ضدها يعد ثوريا، من هذا المنطق فإن ضميري الحي لازال يتألم لكون موريتانيا هي البلد الوحيد في العالم الذي تمارس فيه العبودية التقليدية، وقد أكدت ذلك منظمة العفو الدولية التي تقدر أعداد الضحايا ب600 ألف عبد وعبدة، أشعر كذلك بكوني محظوظ إلى حد ما لأنني متعلم وقادر على مساعدة النساء المغتصبات والأطفال المحرومين، والرجال الذين يعدمون وثائقهم الثبوتية، إن علاقتي بهؤلاء هي علاقة وجدانية تربطني بذاتي و بأهلي وتحتم علي الإنخراط في النضال والعمل على دحر ملاك العبيد والمدافعين عن حياضهم ومراتعهم الوسخة.

على مستوى حياتكم الخاصة هل سبق وأن وقعتم ضحية لتمييز عاطفي؟

عبيد ولد إميجن: أنا لا أتقن الإحتيال العاطفي وما أيسره داخل مجتمعنا ….، (يبتسم) ويمكنك أن تسأل خطيبتي فقط عن ذلك.

هناك تضارب كبير حول تقدير وجود العبودية، فما الذي تعتبرون أنه لا يزال موجودا منها؟

عبيد ولد إميجن: هنالك البعض ممن يجمل بشتى الوسائل والحيل ظاهرة العبودية بإعتبار ما نعايشه مجرد مخلفات أو رواسب، وهي حيلة للإنكار لا أحد بإمكانه تصديقها بالنظر إلى الأعراض غير الصحية والمظاهــر الحياتية لمواطنيــن يتعرضون باستمرار للتهميش بسبب أصولهم الإسترقاقية أو يمارس عليهم النبذ والإلقاء الكلي بسبب بقائهم عبيــدا.، إن أسلوب المكابرة هذا يجعل الأمور تتفاقم بإتجاه التأزيم فيما بين المكونات والأعراق المحلية.

وهنالك عامل ديمغرافي آخر لا يمكن إغفاله عند التأكيد على وجود الممارسات الإسترقاقية، حيث يتصدر “الوباء” كل القضايا الكبرى المطروحة من قبل مجتمع لحراطين والتي من بينها المشاركة السياسية وفي الأصول الاقتصادية، والرعاية الإعلامية والتخفيف من وطأة الفقر والحرمان ، وغيرها من القضايا التي تظل في وضعية المؤجل.

إن مظاهر العبودية لا تزال بادية للعيان، فهنالك أعداد معتبرة من الأشخاص لا يمكنهم التقدم إلى مراكز تقييد المواطنين لأنهم لا يملكون أي وثيقة مدنية، وبالأحرى يوجد مئات الآلاف من الأطفال المحرومين من التمدرس لا لشئ إلا لأنهم ينحدرون من كانتونات العبيد (آدوابة) أو المناطق الريفية الأخرى التي يتولى أبناء الشريحة فيها الأعمال التقليدية الثابتة مثل الرعي والزراعة، إنه من اللائق التذكير بأنه وعلى مدار السنة يلوذ العشرات من الضحايا -الفارين من أسيادهم- بمنظمات حقوق الإنسان، ومن ثمة يحاولون عرض معاناتهم والتي تتعلق أساسا بلم الشمل بعوائلهم و تحريرهم من أسيادهم الحاليين، فضلا عن حقوقهم الضائعة، ومع ذلك فنحن لا نعدم المكابرين والمنكرين لآلام هؤلاء من قبل أشخاص يمارسون التصفيق والولاء السياسي.

إن التقارير الدورية التي تعرض على مجلس حقوق الإنسان من قبل المقررين الخاصين، أو تلك التي ترده من لدن منظمات حقوق الإنسان بما في ذلك مبادرة إنبعاث الحركة الانعتاقيـة، تبقى الأجدر دائما بالتوقف والإنصات لمن يريد إسداء معروف لمئات الآلاف من العبيد. ثم إن السابقة التي سجلها القضاء الموريتاني مؤخرا تعد دليــلا كافيا للإقرار بالعبودية حيث أدانت المحكمة الجنائية أسرة بكاملة لأنها تستعبد وتستغل قاصرين يحميهما القانون.

كيف تنظر المبادرة الانعتاقية لحلحلة مشكل العبودية؟

عبيد ولد إميجن: المبادرة الإنعتاقية، تتميز برؤية شاملة ومتكاملة وهي لا تقتصر فقط على تجريم أو معاقبة الضالعين في الممارسات الاسترقاقية بل تتجاوز ذلك للتأكيد على الحقوق الثقافية، والسياسية والمدنية لمجتمع لحراطين.

وقــد حققنا الكثير في سبيل ذلك، فعلى المستوى الدولي يتبوأ لحراطين مكانة هامة في سلم الأولويات بإعتبارهم مجتمعا أصيلا له خصائص ثقافية وحضارية، متمايزة ومميزة، ومن جهة أخرى يتم تصنيف الشريحة أمميا بإعتبارها أغلبية غير مهيمنة سياسيا أو ماليا، وهــو ما يعني أن الحقوق الطبيعية لمجتمع لحراطين لا زالت عرضة للإنكار.

وبالعودة إلى سؤالك، فالمنظمة التي شخصت الموضوع باكرا تعتقد جازمة بإنتفاء الأصول الشرعية للإسترقاق في هذه الأرض، وتركز على قوة الحق والقانون في دحر دعاة التخلف والهمجية اللائذين بدوائر النفوذ في الدولة، وسنعمل من أجل تحقيق مطامحنا النضالية المشروعية وفي سبيل ذلك ندفع بمناضلينا لتبوء الصفوف الأمامية في مجال مناهضة الإسترقاق وفضح ممارسات الاسترقاقيين التي يتسترون خلفها، بشكل دائم.

ما علاقة المبادرة بكل من أقطاب حركة الحر المشرذمة بين أقطاب الساحة حاليا؟

عبيد ولد إميجن: حركة الحر، هي رائدة وباكورة نضالات لحراطين ضد التهميش والغبن والعبودية وذلك منذ القرن الماضي، وهذه حقيقية تاريخية لا ينكرها إلا مكابر أو جاحد، بل إنها تكاد تكون مسلمة لدى كافة أطياف ومكونات الشعب الموريتاني، والكثير من أعمالها بطبيعتها تبقى جديرة بالثناء.

ويبدوا أن سؤالكم يتعلق بأقطاب هذه الحركة، و بالتالي سأتجاوز الأفكار التي تسوغها حركة الحر والتي هي الأخرى تبقى جديرة بالنقاش للحديث عن علاقة منظمة (إيــرا) بمؤسسي حركة الحر، وهي علاقة مضطردة وجديرة بالتنويه .. “شــوف” إذا كانت مبادرة إنبعاث الحركة الانعتاقية لا تسعى إلى إحداث أي شرخ في جسم وكيان لحراطين فإنها تسعى ضمن مساع دؤوبة من أجل ربط وتعزيز علاقاتنا بالرعيل الأول من المؤسسين للنضال، وهــي بشكل عام متينة وتستمد مشروعيتها من رغبتنا في إستثمار خبراتهم الحياتية، ولعلكم في هذا الصدد ترون مستوى التنسيق والشراكة التي تربطنا مثلا بمنظمة نجدة العبيد التي يرأسها المناضل الكبير بوبكر ولد مسعود.

عبيد هلا تطلعون الرأي العام على تفاصيل وملابسات المحرقة، كيف تمت؟ من كان موافقا عليها وضالعا في تنفيذها، ومن كان يرفضها، وهل هناك من لم يشعر بها إلا بعد الإقدام عليها؟

عبيد ولد إميجن: محرقة الكتب الممجدة للعبودية، لم يحن بعد الحديث عن تفاصيلها المملة، إنها حادثة مأسوف عليها حقا، لكنها كانت مبررة حيث أن المتون الفقهية التي تتضمنها تمثل أكبر عائق أمام تحقيق دولة القانون والعدالة، حيث لا زال رجال الدين والفقهاء يتبجحون بمضامينها المارقة على الدين وهي مضامين تؤسس لمجتمع اللاعدل والهمجية، كما تكرس لقيام دولة تيوقراطية يحكمها الفقهاء والأئمة وخريجي المحاظر، وهذا سلوك ومنهاج مرفوض جملة وتفصيلا من قبلنا بالنظر إلى تعارضه ظاهريا مع النسق الديمقراطي المتبع لدينا..، أنظر مثلا عندما تواصــل السلطات تمكين ملاك العبيد من الإفلات من العقاب، ماذا يحدث من ردات الفعل؟ لا أحد يجرؤ على الإستنكار بل على العكس من ذلك يتم تخصيص المنابر والخطب الموحدة للهجوم على نشطاء حركات الحقوق المدنية، فيما يتم إغفال الجرم الكبير الذي يمارسه الأسياد، تعرف لماذا ؟ لأنهم يتصورون أنهم يدافعون عن الشريعة الاسلامية، وهي براء من أقوالهم ومواقفهم المارقة على الدين.

إن دواعي المحرقة تصب في اتجاه رفض العمل بمكيالين من قبل الدولة حيال أبناء المجتمع الواحد، كما هي تعبير عن رفض التصريحات المتوالية والمتكررة التي أطلقها رجالات دين محليون وخليجيون والتي تدعوا إلى إحياء أسواق النخاسة وإهداء الجواري، ولقد أوصلت المحرقة أهدافها بأمانة.

كيف نظرتم حينها لسيل التبرؤ منكم من طـرف من كانوا يعتبرون من مقربيكم، أشخاصا كانوا أو معارضة؟

عبيد ولد إميجن: لقد طالب الجميع بتقديمنا للمقصلة، شخصيا لم يؤثر في سوى ضعف وهلهلة القوى المدنية والتي تسمي نفسها بالتقدمية، لقد رأينا أشخاصا وهيئات معارضة وهي تعبئ لمسيرات جرت الدعوة إليها من قبل النظام الحاكم، و كان الموقف الذي أظهره هؤلاء مخزيا ومليئا بالخذلان!. كما كشف عن الوجه الحقيقي لكل الذين كانوا يظهرون التقرب إلينا.

هل كانت تصلكم أصداء الصخب الشعبي الذي أعقب الحادثة، وكيف نظرتم له خاصة من يطالبون بإعدامكم؟

عبيد ولد إميجن: كما تعلم، أنا لم أعتقل خلال الساعات الأولى بل جرى توقيفي من أمام المنزل بعد ذلك بثلاث أيام وقد واكبت أصــداء ذلك الصخب المفتعل، كما حضرت لوقفات بطولية كان الإنعتاقيون قد نظموها، وكانت الحملة الإعلامية التي شنتها الدولة بوسائلها المخابراتية والاعلامية والشعبية كفيلة بإدخال موريتانيا في حرب أهلية لولا أن الله سلم.

بعد الإعتقال وضعوني، في ظروف نفسية سيئة إلى حد ما فقد كانت مكبرات صوت التلفاز وهو ينقل أصداء الحملة الاعلامية مؤذية جدا، وكذلك فتوى الرئيس السابق للمجلس الإسلامي الأعلى “محفوظ ولد أبراهيم” بإعدام بيرام ولد الداه، قبل أن يطالب بــ”أتمرميدو” تصلني، وبالمناسبة فإننا سنتابع قضائيا هذا القاضي سيئ السمعة في المجال القضائي لجريرته وإفتراءاته على الإسلام وممارسته للدجل والشعوذة في وسيلة إعلامية عامة.

كيف كانت ملابسات السجن والتحقيق؟

عبيد ولد إميجن: لقد جرى التحقيق في ظروف عادية جدا، ومن قبل أشخاص وضباط يتظاهرون بالطيبة، لكن فيما يخص الاعتقال والسجن فقد كانت الظروف مختلفة، وفيما يخصني أنا وكذلك الرئيس بيرام ولد الداه ولد اعبيد فقـد جرى عزلنا في زنزانتين منفردتين لدى إدارة أمن الدولة، فيما تم نقل البقية إلى مكان مجهول حيث علمنا فيما بعد أنهم كانوا مصفدين وفي أرجلهم السلاسل.

ما هي المعاملات الأقسى التي سجلتموها من هذه الفترة؟

عبيد ولد إميجن: كانت ظروف اعتقالي من أمام المنـزل في ساعات متأخرة من الليل حدث لا يمحى من الذاكرة، -وسأتحدث حوله في وقت لاحق-، بينما كانت أصعب المعاملات مقتصــرة بالنسبة لي في البقاء طيلة شهـر مايو الماضي داخل زنزانة (1م*2م) محكمة الإغلاق، ونظرا لارتفاع درجات الحرارة فقد تعرضت أذني اليسرى للأذى.

لقد كنا نتسقط الأخبار طيلة ذلك الشهر حيث يمنع علينا الحصول على الصحف، والطريف أنه في أحد الأيام حملوا إلى الرئيس بيرام ولد الداه بأفرشة ومعدات مختلفة وقالوا له إنها أغراض المطالبين بالرحيل.

كيف كان شعورك وأنت تخرج من السجن مع بقية رفاق دربك؟

عبيد ولد إميجن: كان حري بك أن تسأل السجان كيف شعوره وأنا ورفاقي نخرج السجن بعد أن إنقلبت عليه الحيلة،… كان عليك أن تسأل نقابة الصحافيين الموريتانيين عن شعورها وأنا أخرج السجن، وعلى العموم فإن شعوري لا يمكن بحال أي يختلف مع شعور نيلسون مانديللا وهو يعيش يومه الأول من الحرية خارج جزيرة (روبن أينلاند)، حيث يقول أشعر بالحرية لكنها ما زالت ناقصة!

ما هو أول شيء فكرت فيه بعد خروجك من السجن؟

عبيد ولد إميجن: أنا رجل بدوي، لذلك فقد كان أول شيء فكرت فيه هو البادية حيث أوجـد الآن رفقة كتب لا يمكن حرقها للفيلسوف المحبوب آلبير كامي.

هل هناك أشخاص أو جهات تريدون إسداء الشكر لهم تلقاء وقوفهم معكم؟

عبيد ولد إميجن: أريد ان أسدي بالشكر إلى كل الذين آزروني شخصيا ولم يتنكروا لنضالات قيادة مبادرة إنبعاث الحركة الانعتاقية، وبودي أن اخص بالذكر أولئك الذين رصدوا جهدهم للوقوف إلى جانبنا كتابة في الصحف، فلقد كانت كتاباتهم غذاءنا اليومي ولقد كانت لهم مواقف مشرفة سيذكرها التاريخ، دون أن أنسى الفقيه أحمد ولد المهدي الذي لا يمكن وصفه بغير العالم العامل والمجدد الأريب.

كيف كانت الحصيلة، هل خسرت المبادرة أم ربحت من المحنة؟

عبيد ولد إميجن: بالإضافة إلى ما سبق فقد تم حظر تعميم مضامين الكتب المحروقة المتعلقة بفقه المعاملات المرتبطة بتمجيد الإسترقاق وبيع العبيد والجواري، كما أصبح الطريق سالكا أمام كل من يريد تقدم شكاية أو بلاغ ضد المنتوجات الفنية والفكرية التي تمجد العبودية والتفاوت الطبقي بين أبناء الشعب الموريتاني الذي يشهد بدايات مراجعات فقهية و قيمية لا مناص عنها، وسأعيد مطالبتنا بعقد مناظرة فقهية تجمعنا بكل الفقهاء المنادين بفقه النخاسة .

ما هي الخطوات المقبلة التي تفكر فيها المبادرة من أجل الانعتاق؟

عبيد ولد إميجن: المبادرة ماضية قدما في سبيل الإنعتاق، وسبق للسجون وان فتحت أبوابها 

في هذه المقابلة التي تعتبر أول إطلالة إعلامية للمناضل الحقوقي والناطق الرسمي باسم المبادرة من أجل انبعاث الحركة الانعتاقية الأستاذ عبيد ولد إيميجن منذ خروجه مع بقية رفاقه من تجربتهم الأخيرة في السجن، يستجوب مندوب أنفاس ولد إيميجن عن تفاصيل وملابسات المحرقة، كيف تمت؟ من كان موافقا عليها وضالعا في تنفيذها، ومن كان يرفضها، وهل هناك من لم يشعر بها إلا بعد الإقدام عليها؟ وكيف كانت نظرة “إيرا

للمقربين منها الذين تبرؤوا منها غداة اعتقال رئيسها الأستاذ بيرام ولد الداه ولد اعبيدي، ويسائله عن ما اذا كانت هذه المحنة تركت للمبادرة من أجل انبعاث الحركة الانعتاقية اشخاصا او هيئات تستحق عليها الشكر والعرفان؟ وعن كيف كانت تصلهم اصداء المطالبين باعدامهم؟ وكيف تمت ملابسات السجن والتحقيق وما هي المعاملات الأقسى التي تعرضوا لها؟ ثم ما هي حصيلة “إيرابعد كل هذه المحنة التي تعددت فصولها والخطوات القادمة التي تعتزم الدخول فيها؟ وما علاقتها بما كانت تطلق عليه المبادرة “ربيع لحراطين”؟

في هذه المقابلة أيضا يتكلم الأستاذ عبيد بكل أريحية وصراحة عن حياته العاطفية وعن مدى تأثرها بوضعه الشرائحي والطبقي، ويستفيض بكل جرأة في الحديث عن تجربته الشخصية مع العبودية ويسترجع ما بقي عالقا بذاكرة عبيد الصغير” من تلك المشاهد والممارسات الاستعبادية التي فتح عليها عينيه، كما يعرج على بداية مشواره في التصدي للعبودية، ويتحدث بوضوح وشفافية عما إذا كان واقعه الحالي ضمن له التخلص من ملاحقة “لعنة” الاسترقاق، ثم يتوقف عند تقديره لوجود العبودية في الواقع الموريتاني الحالي، ويبسط بعد ذلك رؤية مبادرة “إيرا” لحلحلة مشكل الاسترقاق، ويحدد علاقتها بأقطاب حركة الحر.

مقتطفات من المقابلة:

محرقة الكتب الممجدة للعبودية… حادثة مأسوف عليها حقا، لكنها كانت مبررة حيث أن المتون الفقهية التي تتضمنها تمثل أكبر عائق أمام تحقيق دولة القانون والعدالة، حيث لا زال رجال الدين والفقهاء يتبجحون بمضامينها المارقة على الدين وهي مضامين تؤسس لمجتمع اللاعدل والهمجية، كما تكرس لقيام دولة تيوقراطية يحكمها الفقهاء والأئمة وخريجي المحاظر، وهذا سلوك ومنهاج مرفوض جملة وتفصيلا من قبلنا بالنظر إلى تعارضه ظاهريا مع النسق الديمقراطي المتبع لدينا…” و” إن الذي أخرج ملاك العبيد ليس الإنتصارا للشيخ خليل أو للكتب بل هــو كامن في سعيهم إلى ترسيخ قيم زائفة ولا تمت إلى الدين أو الإنسانية بصلة، ولكي يواصلوا على سجيتهم الفاسدة تشكيل مجتمع تراتبي وطبقي غيــر عادل بالمرة ومن شأنه الإبقاء على مكانتهم الواهية، وفي النهاية هم يريدون مجتمعا مغلقا، أصم ومن دون أبواب ولا نوافذ” كما يقول سارتر”. ومن هؤلاء “الرئيس السابق للمجلس الإسلامي الأعلى “محفوظ ولد أبراهيم” الذي أفتى بإعدام بيرام ولد الداه، قبل أن يطالب بــ”أتمرميدو، وبالمناسبة فإننا سنتابع قضائيا هذا القاضي سيئ السمعة في المجال القضائي لجريرته وإفتراءاته على الإسلام وممارسته للدجل والشعوذة في وسيلة إعلامية عامة“. إذن ” دواعي المحرقة تصب في اتجاه رفض العمل بمكيالين من قبل الدولة حيال أبناء المجتمع الواحد، كما هي تعبير عن رفض التصريحات المتوالية والمتكررة التي أطلقها رجالات دين محليون وخليجيون والتي تدعوا إلى إحياء أسواق النخاسة وإهداء الجواري، ولقد أوصلت المحرقة أهدافها بأمانة“.

نص المقابلة:

المناضل عبيد نشارككم فرحة خروجكم من السجن، فهل تسمحون؟

عبيد ولد إميجن: حين كنت في الزنزانة علمت بإطلاقكم لموقع أنفاس، لذلك هو موقع يرتبط عنــدي بفترة السجن وما رافقها من تطلع للحرية والإنعتاق.. أنا جد مسرور به كإضافة نوعية لأنني أعرف وأثق إلى حد كبير في الطاقم الإعلامي الذي يسيره، ألف مبروك وأنا على إستعداد للإجابة في حدود ما هو مسموح به لسجيــن في وضع الحرية المؤقتة.

في البداية متى بدأتم أنتم عبيد ولد ِإيميجن التصدي للعبودية، وكيف كان ذلك؟

عبيد ولد إميجن: في العام 1998 تقريبا كتبت مقالا نقديا يتعرض لهموم الطبقات السفلى في المجتمع الموريتاني ويشخص تحديدا لمعضلة العبودية، وتقدمت بالمقال إلى جريدة “موريتاني-نوفيل” بنسختها العربية، وفي الغــد أبلغني رئيس التحرير أن وزارة الداخلية صادرت العدد طبقا لمقتضيات الأرتيكل 11 بإعتباره يتضمن مقالا مزعجا جدا للسكينة العامة!، هــذا فيما يخص أول شيء..، بعــد ذلك بفتــرة طويلة بدأت أتطلع إلى المساهمة في مناهضة الاستــرقـاق، وهــو ما يتضح من خلال مناداتنا الدائمة بالحقوق المدنية والسياسية والثقافية لمجتمع لحراطين ومع ذلك فإعتقادي بأنني لا زلت مقصرا بات راسخا، وحيث أن تجربتي النضالية لا زالت في بدايات مشوار قد يطول.

هل مورس عليكم أنتم عبيد الاسترقاق أصلا؟

عبيد ولد إميجن: عندما ولدت في أواخر السبعينات بقرية “أنباك” فــي منطقة آوكار كـانت عوامل القحط والجفاف تضرب بشكل حاد منطقتنا وتواصــل إرغام مزيد من العبيد والعبيد السابقين للإبتعــاد والنزوح إلى المدن، لقــد كنت حينها صغيـرا ولكــن مشاهد العبودية تبقى عالقة فــي ذاكـرتي ويمكنني أن أجزم لك بأنني عشت العبودية وعايشتها بشكل مباشر، كما أنها مورست علي بعض أفراد أسرتي أيضا. ومن الجديــر ذكــره أن الأسياد التقليدييـن كانوا يفـدون بإنتظام على منزلنا بمقاطعة أبـي تلميت حينها حيث تفرش لهم جدتي غطاءها الأثيــر(فـرو)، وتبقى في الذاكرة تلك المشاهد التي هي أقرب ما تكون إلى لقطات الفيلم الأمريكي 30 يوما من الليل (30 days of night).

لقد كانت طبيعة العلاقة التي طبعت الغالبية من مجتمع العبيد تتسم بالدونية بسبب الأصل والمولد، بالرغم من أنه مؤسسيها هم زعماء قبليــون يتكئون في نظرتهم إلى الآخر على تزوير الأنساب والأصول كما يتخذون من الدين مطية لتبرير نمط حياتهم الفاسد والهمجي..، وهم نفس الأشخاص الذين خرجوا يرغدون ويزبدون مطالبين بإعدام “فتية آمنو”، إن الذي أخرج ملاك العبيد ليس إنتصارا للشيخ خليل أو للكتب بل هــو كامن في سعيهم إلى ترسيخ قيم زائفة ولا تمت إلى الدين أو الإنسانية بصلة، ولكي يواصلوا على سجيتهم الفاسدة تشكيل مجتمع تراتبي وطبقي غيــر عادل بالمرة ومن شأنه الإبقاء على مكانتهم الواهية، وفي النهاية هم يريدون مجتمعا مغلقا، أصم ومن دون أبواب ولا نوافذ” كما يقول سارتر.

هل شعرتم في لحظة ما أن لعنة الاسترقاق تلاحقكم إلى اليوم؟

عبيد ولد إميجن: كما تقول الأدبيات التقدمية فإن العبد الذي يعي عبوديته ويناضل ضدها يعد ثوريا، من هذا المنطق فإن ضميري الحي لازال يتألم لكون موريتانيا هي البلد الوحيد في العالم الذي تمارس فيه العبودية التقليدية، وقد أكدت ذلك منظمة العفو الدولية التي تقدر أعداد الضحايا ب600 ألف عبد وعبدة، أشعر كذلك بكوني محظوظ إلى حد ما لأنني متعلم وقادر على مساعدة النساء المغتصبات والأطفال المحرومين، والرجال الذين يعدمون وثائقهم الثبوتية، إن علاقتي بهؤلاء هي علاقة وجدانية تربطني بذاتي و بأهلي وتحتم علي الإنخراط في النضال والعمل على دحر ملاك العبيد والمدافعين عن حياضهم ومراتعهم الوسخة.

على مستوى حياتكم الخاصة هل سبق وأن وقعتم ضحية لتمييز عاطفي؟

عبيد ولد إميجن: أنا لا أتقن الإحتيال العاطفي وما أيسره داخل مجتمعنا ….، (يبتسم) ويمكنك أن تسأل خطيبتي فقط عن ذلك.

هناك تضارب كبير حول تقدير وجود العبودية، فما الذي تعتبرون أنه لا يزال موجودا منها؟

عبيد ولد إميجن: هنالك البعض ممن يجمل بشتى الوسائل والحيل ظاهرة العبودية بإعتبار ما نعايشه مجرد مخلفات أو رواسب، وهي حيلة للإنكار لا أحد بإمكانه تصديقها بالنظر إلى الأعراض غير الصحية والمظاهــر الحياتية لمواطنيــن يتعرضون باستمرار للتهميش بسبب أصولهم الإسترقاقية أو يمارس عليهم النبذ والإلقاء الكلي بسبب بقائهم عبيــدا.، إن أسلوب المكابرة هذا يجعل الأمور تتفاقم بإتجاه التأزيم فيما بين المكونات والأعراق المحلية.

وهنالك عامل ديمغرافي آخر لا يمكن إغفاله عند التأكيد على وجود الممارسات الإسترقاقية، حيث يتصدر “الوباء” كل القضايا الكبرى المطروحة من قبل مجتمع لحراطين والتي من بينها المشاركة السياسية وفي الأصول الاقتصادية، والرعاية الإعلامية والتخفيف من وطأة الفقر والحرمان ، وغيرها من القضايا التي تظل في وضعية المؤجل.

إن مظاهر العبودية لا تزال بادية للعيان، فهنالك أعداد معتبرة من الأشخاص لا يمكنهم التقدم إلى مراكز تقييد المواطنين لأنهم لا يملكون أي وثيقة مدنية، وبالأحرى يوجد مئات الآلاف من الأطفال المحرومين من التمدرس لا لشئ إلا لأنهم ينحدرون من كانتونات العبيد (آدوابة) أو المناطق الريفية الأخرى التي يتولى أبناء الشريحة فيها الأعمال التقليدية الثابتة مثل الرعي والزراعة، إنه من اللائق التذكير بأنه وعلى مدار السنة يلوذ العشرات من الضحايا -الفارين من أسيادهم- بمنظمات حقوق الإنسان، ومن ثمة يحاولون عرض معاناتهم والتي تتعلق أساسا بلم الشمل بعوائلهم و تحريرهم من أسيادهم الحاليين، فضلا عن حقوقهم الضائعة، ومع ذلك فنحن لا نعدم المكابرين والمنكرين لآلام هؤلاء من قبل أشخاص يمارسون التصفيق والولاء السياسي.

إن التقارير الدورية التي تعرض على مجلس حقوق الإنسان من قبل المقررين الخاصين، أو تلك التي ترده من لدن منظمات حقوق الإنسان بما في ذلك مبادرة إنبعاث الحركة الانعتاقيـة، تبقى الأجدر دائما بالتوقف والإنصات لمن يريد إسداء معروف لمئات الآلاف من العبيد. ثم إن السابقة التي سجلها القضاء الموريتاني مؤخرا تعد دليــلا كافيا للإقرار بالعبودية حيث أدانت المحكمة الجنائية أسرة بكاملة لأنها تستعبد وتستغل قاصرين يحميهما القانون.

كيف تنظر المبادرة الانعتاقية لحلحلة مشكل العبودية؟

عبيد ولد إميجن: المبادرة الإنعتاقية، تتميز برؤية شاملة ومتكاملة وهي لا تقتصر فقط على تجريم أو معاقبة الضالعين في الممارسات الاسترقاقية بل تتجاوز ذلك للتأكيد على الحقوق الثقافية، والسياسية والمدنية لمجتمع لحراطين.

وقــد حققنا الكثير في سبيل ذلك، فعلى المستوى الدولي يتبوأ لحراطين مكانة هامة في سلم الأولويات بإعتبارهم مجتمعا أصيلا له خصائص ثقافية وحضارية، متمايزة ومميزة، ومن جهة أخرى يتم تصنيف الشريحة أمميا بإعتبارها أغلبية غير مهيمنة سياسيا أو ماليا، وهــو ما يعني أن الحقوق الطبيعية لمجتمع لحراطين لا زالت عرضة للإنكار.

وبالعودة إلى سؤالك، فالمنظمة التي شخصت الموضوع باكرا تعتقد جازمة بإنتفاء الأصول الشرعية للإسترقاق في هذه الأرض، وتركز على قوة الحق والقانون في دحر دعاة التخلف والهمجية اللائذين بدوائر النفوذ في الدولة، وسنعمل من أجل تحقيق مطامحنا النضالية المشروعية وفي سبيل ذلك ندفع بمناضلينا لتبوء الصفوف الأمامية في مجال مناهضة الإسترقاق وفضح ممارسات الاسترقاقيين التي يتسترون خلفها، بشكل دائم.

ما علاقة المبادرة بكل من أقطاب حركة الحر المشرذمة بين أقطاب الساحة حاليا؟

عبيد ولد إميجن: حركة الحر، هي رائدة وباكورة نضالات لحراطين ضد التهميش والغبن والعبودية وذلك منذ القرن الماضي، وهذه حقيقية تاريخية لا ينكرها إلا مكابر أو جاحد، بل إنها تكاد تكون مسلمة لدى كافة أطياف ومكونات الشعب الموريتاني، والكثير من أعمالها بطبيعتها تبقى جديرة بالثناء.

ويبدوا أن سؤالكم يتعلق بأقطاب هذه الحركة، و بالتالي سأتجاوز الأفكار التي تسوغها حركة الحر والتي هي الأخرى تبقى جديرة بالنقاش للحديث عن علاقة منظمة (إيــرا) بمؤسسي حركة الحر، وهي علاقة مضطردة وجديرة بالتنويه .. “شــوف” إذا كانت مبادرة إنبعاث الحركة الانعتاقية لا تسعى إلى إحداث أي شرخ في جسم وكيان لحراطين فإنها تسعى ضمن مساع دؤوبة من أجل ربط وتعزيز علاقاتنا بالرعيل الأول من المؤسسين للنضال، وهــي بشكل عام متينة وتستمد مشروعيتها من رغبتنا في إستثمار خبراتهم الحياتية، ولعلكم في هذا الصدد ترون مستوى التنسيق والشراكة التي تربطنا مثلا بمنظمة نجدة العبيد التي يرأسها المناضل الكبير بوبكر ولد مسعود.

عبيد هلا تطلعون الرأي العام على تفاصيل وملابسات المحرقة، كيف تمت؟ من كان موافقا عليها وضالعا في تنفيذها، ومن كان يرفضها، وهل هناك من لم يشعر بها إلا بعد الإقدام عليها؟

عبيد ولد إميجن: محرقة الكتب الممجدة للعبودية، لم يحن بعد الحديث عن تفاصيلها المملة، إنها حادثة مأسوف عليها حقا، لكنها كانت مبررة حيث أن المتون الفقهية التي تتضمنها تمثل أكبر عائق أمام تحقيق دولة القانون والعدالة، حيث لا زال رجال الدين والفقهاء يتبجحون بمضامينها المارقة على الدين وهي مضامين تؤسس لمجتمع اللاعدل والهمجية، كما تكرس لقيام دولة تيوقراطية يحكمها الفقهاء والأئمة وخريجي المحاظر، وهذا سلوك ومنهاج مرفوض جملة وتفصيلا من قبلنا بالنظر إلى تعارضه ظاهريا مع النسق الديمقراطي المتبع لدينا..، أنظر مثلا عندما تواصــل السلطات تمكين ملاك العبيد من الإفلات من العقاب، ماذا يحدث من ردات الفعل؟ لا أحد يجرؤ على الإستنكار بل على العكس من ذلك يتم تخصيص المنابر والخطب الموحدة للهجوم على نشطاء حركات الحقوق المدنية، فيما يتم إغفال الجرم الكبير الذي يمارسه الأسياد، تعرف لماذا ؟ لأنهم يتصورون أنهم يدافعون عن الشريعة الاسلامية، وهي براء من أقوالهم ومواقفهم المارقة على الدين.

إن دواعي المحرقة تصب في اتجاه رفض العمل بمكيالين من قبل الدولة حيال أبناء المجتمع الواحد، كما هي تعبير عن رفض التصريحات المتوالية والمتكررة التي أطلقها رجالات دين محليون وخليجيون والتي تدعوا إلى إحياء أسواق النخاسة وإهداء الجواري، ولقد أوصلت المحرقة أهدافها بأمانة.

كيف نظرتم حينها لسيل التبرؤ منكم من طـرف من كانوا يعتبرون من مقربيكم، أشخاصا كانوا أو معارضة؟

عبيد ولد إميجن: لقد طالب الجميع بتقديمنا للمقصلة، شخصيا لم يؤثر في سوى ضعف وهلهلة القوى المدنية والتي تسمي نفسها بالتقدمية، لقد رأينا أشخاصا وهيئات معارضة وهي تعبئ لمسيرات جرت الدعوة إليها من قبل النظام الحاكم، و كان الموقف الذي أظهره هؤلاء مخزيا ومليئا بالخذلان!. كما كشف عن الوجه الحقيقي لكل الذين كانوا يظهرون التقرب إلينا.

هل كانت تصلكم أصداء الصخب الشعبي الذي أعقب الحادثة، وكيف نظرتم له خاصة من يطالبون بإعدامكم؟

عبيد ولد إميجن: كما تعلم، أنا لم أعتقل خلال الساعات الأولى بل جرى توقيفي من أمام المنزل بعد ذلك بثلاث أيام وقد واكبت أصــداء ذلك الصخب المفتعل، كما حضرت لوقفات بطولية كان الإنعتاقيون قد نظموها، وكانت الحملة الإعلامية التي شنتها الدولة بوسائلها المخابراتية والاعلامية والشعبية كفيلة بإدخال موريتانيا في حرب أهلية لولا أن الله سلم.

بعد الإعتقال وضعوني، في ظروف نفسية سيئة إلى حد ما فقد كانت مكبرات صوت التلفاز وهو ينقل أصداء الحملة الاعلامية مؤذية جدا، وكذلك فتوى الرئيس السابق للمجلس الإسلامي الأعلى “محفوظ ولد أبراهيم” بإعدام بيرام ولد الداه، قبل أن يطالب بــ”أتمرميدو” تصلني، وبالمناسبة فإننا سنتابع قضائيا هذا القاضي سيئ السمعة في المجال القضائي لجريرته وإفتراءاته على الإسلام وممارسته للدجل والشعوذة في وسيلة إعلامية عامة.

كيف كانت ملابسات السجن والتحقيق؟

عبيد ولد إميجن: لقد جرى التحقيق في ظروف عادية جدا، ومن قبل أشخاص وضباط يتظاهرون بالطيبة، لكن فيما يخص الاعتقال والسجن فقد كانت الظروف مختلفة، وفيما يخصني أنا وكذلك الرئيس بيرام ولد الداه ولد اعبيد فقـد جرى عزلنا في زنزانتين منفردتين لدى إدارة أمن الدولة، فيما تم نقل البقية إلى مكان مجهول حيث علمنا فيما بعد أنهم كانوا مصفدين وفي أرجلهم السلاسل.

ما هي المعاملات الأقسى التي سجلتموها من هذه الفترة؟

عبيد ولد إميجن: كانت ظروف اعتقالي من أمام المنـزل في ساعات متأخرة من الليل حدث لا يمحى من الذاكرة، -وسأتحدث حوله في وقت لاحق-، بينما كانت أصعب المعاملات مقتصــرة بالنسبة لي في البقاء طيلة شهـر مايو الماضي داخل زنزانة (1م*2م) محكمة الإغلاق، ونظرا لارتفاع درجات الحرارة فقد تعرضت أذني اليسرى للأذى.

لقد كنا نتسقط الأخبار طيلة ذلك الشهر حيث يمنع علينا الحصول على الصحف، والطريف أنه في أحد الأيام حملوا إلى الرئيس بيرام ولد الداه بأفرشة ومعدات مختلفة وقالوا له إنها أغراض المطالبين بالرحيل.

كيف كان شعورك وأنت تخرج من السجن مع بقية رفاق دربك؟

عبيد ولد إميجن: كان حري بك أن تسأل السجان كيف شعوره وأنا ورفاقي نخرج السجن بعد أن إنقلبت عليه الحيلة،… كان عليك أن تسأل نقابة الصحافيين الموريتانيين عن شعورها وأنا أخرج السجن، وعلى العموم فإن شعوري لا يمكن بحال أي يختلف مع شعور نيلسون مانديللا وهو يعيش يومه الأول من الحرية خارج جزيرة (روبن أينلاند)، حيث يقول أشعر بالحرية لكنها ما زالت ناقصة!

ما هو أول شيء فكرت فيه بعد خروجك من السجن؟

عبيد ولد إميجن: أنا رجل بدوي، لذلك فقد كان أول شيء فكرت فيه هو البادية حيث أوجـد الآن رفقة كتب لا يمكن حرقها للفيلسوف المحبوب آلبير كامي.

هل هناك أشخاص أو جهات تريدون إسداء الشكر لهم تلقاء وقوفهم معكم؟

عبيد ولد إميجن: أريد ان أسدي بالشكر إلى كل الذين آزروني شخصيا ولم يتنكروا لنضالات قيادة مبادرة إنبعاث الحركة الانعتاقية، وبودي أن اخص بالذكر أولئك الذين رصدوا جهدهم للوقوف إلى جانبنا كتابة في الصحف، فلقد كانت كتاباتهم غذاءنا اليومي ولقد كانت لهم مواقف مشرفة سيذكرها التاريخ، دون أن أنسى الفقيه أحمد ولد المهدي الذي لا يمكن وصفه بغير العالم العامل والمجدد الأريب.

كيف كانت الحصيلة، هل خسرت المبادرة أم ربحت من المحنة؟

عبيد ولد إميجن: بالإضافة إلى ما سبق فقد تم حظر تعميم مضامين الكتب المحروقة المتعلقة بفقه المعاملات المرتبطة بتمجيد الإسترقاق وبيع العبيد والجواري، كما أصبح الطريق سالكا أمام كل من يريد تقدم شكاية أو بلاغ ضد المنتوجات الفنية والفكرية التي تمجد العبودية والتفاوت الطبقي بين أبناء الشعب الموريتاني الذي يشهد بدايات مراجعات فقهية و قيمية لا مناص عنها، وسأعيد مطالبتنا بعقد مناظرة فقهية تجمعنا بكل الفقهاء المنادين بفقه النخاسة .

ما هي الخطوات المقبلة التي تفكر فيها المبادرة من أجل الانعتاق؟

عبيد ولد إميجن: المبادرة ماضية قدما في سبيل الإنعتاق، وسبق للسجون وان فتحت أبوابها لمناضليها ومنخرطيها وهي ما تزال على إستعداد للتضحية بالمزيد من أجل تحرير كل العبيد في موريتانيا، ولقد برهنت كل المحطات على أننا حركة سلمية، تسعى إلى إحداث تغيير في المجتمع الموريتاني بالوسائل القانونية والديمقراطية. وبأنها ليست عنصرية كما سعى الإيحاء بذلك المتخلفون وأزلام النظام حيث تضم بين تشكيلاتها كل الشرائح والإثنيات.

أين وصل “ربيع لحراطين” ؟

عبيد ولد إميجن: يدرك الإنعتاقيون حجم الظلم المسلط على رقاب نساء ورجالات لحراطين، مما يساعد في الاهتداء إلى تشخيص الأوضاع وتقديم البدائل والحلول المنتظر تحقيقها، ونحن بالإجمال إنما نسعى إلى إنعتاق شعب لحراطين من نير الإذلال والدونية والعبودية.

هذا الإنعتاق الذي اصبح بالنسبة لقيادة المبادرة إلتزاما تضعه على كاهلها ويمكنها من قيادة النضال ذودا عن الحمى ورفضا للدونية والمواطنة غير المكتملة، كما أصبح الجميع مرتبط بعزم وبمسؤولية في سبيل تهيئة الظروف والمناخات الضرورية للانعتاق الشامل والدائم، ومن ضمن ذلك الالتزام نجد مكافحة العبودية والارتقاء بالطبقات المهمشة والإثنيات المهددة والثقافات التي توشك على الاندثار هي أولوية نضالنا، وهي الشعار الابرز لأي تغيير قادم، حتى ولو كان ثوريا. وهذا الهم يمكن انجازه من ألفه على يائه بغرض تحقيق العدالة والمساواة وقيم المواطنة والحرية بين المواطنين، وهي مسيرة ستؤدي حتما إلى التغيير الراديكالي، وهو ما تسعى المبادرة إلى خلقه بفضل جماهيرها التواقة إلى الحرية والعدالة.

هل عندك من كلمة أخيرة؟

عبيد ولد إميجن: أطلقوا سراح الناشط الحقوقي والوزير محمد الأمين ولد الدادة، ومن هذا المنبر أود أن أطالب كل منظمات حقوق الانسان الوطنية والدولية بالضغط على الحكومة الموريتانية من أجل الافراج الفوري وغير المشروط عن هذا المسؤول الحكومي السابق.

 

لمناضليها ومنخرطيها وهي ما تزال على إستعداد للتضحية بالمزيد من أجل تحرير كل العبيد في موريتانيا، ولقد برهنت كل المحطات على أننا حركة سلمية، تسعى إلى إحداث تغيير في المجتمع الموريتاني بالوسائل القانونية والديمقراطية. وبأنها ليست عنصرية كما سعى الإيحاء بذلك المتخلفون وأزلام النظام حيث تضم بين تشكيلاتها كل الشرائح والإثنيات.

أين وصل “ربيع لحراطين” ؟

عبيد ولد إميجن: يدرك الإنعتاقيون حجم الظلم المسلط على رقاب نساء ورجالات لحراطين، مما يساعد في الاهتداء إلى تشخيص الأوضاع وتقديم البدائل والحلول المنتظر تحقيقها، ونحن بالإجمال إنما نسعى إلى إنعتاق شعب لحراطين من نير الإذلال والدونية والعبودية.

هذا الإنعتاق الذي اصبح بالنسبة لقيادة المبادرة إلتزاما تضعه على كاهلها ويمكنها من قيادة النضال ذودا عن الحمى ورفضا للدونية والمواطنة غير المكتملة، كما أصبح الجميع مرتبط بعزم وبمسؤولية في سبيل تهيئة الظروف والمناخات الضرورية للانعتاق الشامل والدائم، ومن ضمن ذلك الالتزام نجد مكافحة العبودية والارتقاء بالطبقات المهمشة والإثنيات المهددة والثقافات التي توشك على الاندثار هي أولوية نضالنا، وهي الشعار الابرز لأي تغيير قادم، حتى ولو كان ثوريا. وهذا الهم يمكن انجازه من ألفه على يائه بغرض تحقيق العدالة والمساواة وقيم المواطنة والحرية بين المواطنين، وهي مسيرة ستؤدي حتما إلى التغيير الراديكالي، وهو ما تسعى المبادرة إلى خلقه بفضل جماهيرها التواقة إلى الحرية والعدالة.

هل عندك من كلمة أخيرة؟

عبيد ولد إميجن: أطلقوا سراح الناشط الحقوقي والوزير محمد الأمين ولد الدادة، ومن هذا المنبر أود أن أطالب كل منظمات حقوق الانسان الوطنية والدولية بالضغط على الحكومة الموريتانية من أجل الافراج الفوري وغير المشروط عن هذا المسؤول الحكومي السابق.

 

شاهد أيضاً

الحكومة تصادق على مشروع قانون مالية 2022

صادقت الحكومة خلال اجتماع استثنائي عقدته الجمعة برئاسة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، على مشروع …