أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / امــرأتــنـــا الضـــــحية

امــرأتــنـــا الضـــــحية

ريد أن أكتب عن المرأة الموريتانية، عن كائن لطالما عايشت أشكاله، وأجناسه، وانتصاراته، وانكساراته، لعل هذا السيناريو يساعدني، أو يساعد غيري في التصور، والتفكير الصائب في التداخل الغريب، بين الظلم الاجتماعي، والبؤس، والحرمان العاطفي،

وما فتح للبعض باب الفضيحة، فصرخ على الانترنت، وعلى الكراس العادي، أريد أن أمارس…، وليته قال الحب على الأقل كنا عذرناه !

فموضوع المرأة استحوذ على العالم، الذي عاهدها، و وثــــﱠق تعهداته، التي وفقها لابد أن تكون المرأة في الطليعة سياسيا، مدنيا، اجتماعيا، وثقافيا، وكنا نحن كجزء من المنتظم الدولي من المصادقين على اتفاقيات حقوق المرأة، ولكن لم نكن من المُفعــﱢلين لها، ربما لأن المرأة عندنا ذات حقوق أصلا تفوق تلك المواثيق في نظر البعض، وإذا طبقنا مثلا ما يتعلق بحق المرأة في الأكل فستتراجع معالم الجمال عند امرأتنا البدينة في نظر آخرين.

فكما يعلم الجميع البدانة، والكرش المسترخي هي من علامات الجمال عند حاخاماتنا، فكل بابا يريد ماما تزن أرطالا تساوي الدغفل إن لم نقل الفيل نفسه، وهو الأمر الذي انتح ظاهرة “لبلوح”، القائمة على التسمين، وجعل المرأة تستكمل نموها الجثماني في جانب كبير منه، وهي على عتبات “الطعش”، بل بمجرد بلوغ التسع، أو العشر.

ولكن التهرؤ والصدأ، الذين ترسمهما السمنة جعلاها ترجع القهقرى، ويتراكم الكولسترول في مفاصل جسدها معششا، و”مبططا”، معلنا الحداد على جمال لم يعمر طويلا، ومؤذنا، بالفراق، والطلاق الذي نحتل فيه مكانة شامخة، وسامقة، تجعل الأبناء ضيوف الرحمان في مضارب الأخوال، والأرصفة، والطرقات، والأزقة، وتذهب المرأة تتخبط في خبايا جسدها الجلدي المبتل، لا تكاد تتحرك، وعليها أن تتحرك، و تساعد في الإعالة، أو تتحمل دائما كلمات جارحة تصب اللعنة على زواجها التعيس، ومخلفاته المتمثلة في أفواه تريد الطعام، والشراب، وحاجات أصحابها للملبس،والدراسة، والوظيفة أكيدة، ولا تنتهي، في مجتمع انهارت قيم التكافل ، والإيثار، والشهامة فيه، وحلت محلها قيم وافدة، فبدل “كل افريـڮأڮـــدح”، الذي لم يكن أروع الأمثلة، حلت كل أرڮــاج أڮـدح …

ولنرجع نتابع أين وصل المطلاق، إنه يضرب في الأرض بحثا عن طفلة بلغت قبل البلوغ، مطبــﱢقا “هلا بكرا يا جابر…”، وكأن هم المسلم الأساسي تزوج، طلق، ثم ترصد الحمل، كي يهرب من جهنم الطلبات، وضيوف فراش النوم ، ولا يعلل غالبا أسباب الرحيل، التي قد يكون منها أن المرأة الموريتانية كسولة، لا تجيد الطبخ، ولا الكنس على حد الشائع، والحقيقة أن الرجل نحيل خامل، وهي سمينة نشيطة، لكن نشاط السمين لا يستطيع الرقص على الزجاج الأملس.

بيد أن لا خوف على المطلقة فمثلها سيجد العمل، وستصبح من ممتهنات الزواج، وإن كان الأصل فيه أنه ليس عملا، وزراعة الأطفال ليست من برامج التنمية المستدامة، والتخلي عنهم من مشاكل البشرية، يفتح دور الأيتام، وينشر جرائم الأحداث، ويثقل كاهل معيلات الأسر، ويضاعف الهمﱠ العام…

وفي امتهان الزواج إهانة لكرامة المرأة، وطمس لملكة التمييز والاختيار، وقد كان من الشنيع عند العربــــيﱢ أن تكون أمه مزواجة، وما أحكمه فيها، حيث لكل حضن معها موعد، ولكل فم مع طلاقها كلماته القدرية، تتقاذفها الأقدار من دار لدار، ومن شارع لشارع، لها ذكريات من الرسائل(لبراوات)، وتاريخ مع نقلها، ونقل قماشها، وطابور من التزحلق مابين ثطيط و رويبضة حتى تستكمل شيخوختها، وغالبا تشيخ في الأربعين، وتبدو وهي تسير كالخيمة تتلاعب بها الشمأل والجنوب، لا تستوي واقفة ما لم تحط يدها في حصى التراب، ولا تتحرك إلا بالكاد، والخشنة سمتها، لا رشاقة، ولا لياقة، ولا ملاسة على حد قولنا:

ضاعت ملاستها بخشنة كـــــفه وكـــــفته منها فرصة التجفيف

تُركت مع الفقر الذي يرعى أمور الــــــــــــجهل والتـــــخريف لا التثقيف

نعم….. الرجل الشرس ضحى بجمالها في سبيل نهمه للحم، والشحم، ونزوات طيشه، وحبه المادي الصرف، وأسدلت أياديه على خفتها الستار للأبد، ومن المستغرب القول: اسمني، واعملي، وربــﱢي، وكوني جميلة دائما ! إنه التناقض.

إنها عبارة تعبر عن واقع، عما يريد الرجل الغريب، الرهيب هو الآخر، الذي يتزوج لدقيقتين، ويبقى كذلك لواحدة، دوافعه ونوازعه جنونية، وجرائمه لا تنتهي، لا معنى عنده للبقاء لتحمل نتيجة الخطأ، يخرج من بيت الزوجية في اتجاه المجهول، ويدخله في اتجاه الطلاق والشارع، حين يتزوج لا يفكر، وحين يطلق لا يدبر، يتسلى بفتح النافذة، ويرحب بالداخلة منها، فغالبا يتزوج لأن الوالد أراد، أو الأم، أو القبيلة، أو لأن أصهاره من ذوي النفوذ، وكلمتهم مسموعة، وعندهم جمالات بيض، أف عليه، مضروب على يده، هارب من نكاح المتعة، ويكاد يغلبني الظن أنه واقع فيه(ناڮــع فيه)…

ولو اضطر للتمسك بأنثى، فلن يصبر حتى، وإنما يستكمل من الشارع نصف دينه يالفجوره، يتجهم في البيت، ويضحك على الرصيف، بئس العشرة، ولا نعمت العترة…

وعلى الشباب إذ يعودون من الخارج أن يبقوا هم هم، يتزوجون من قريبات شأن غيرهم، كما على بنات العم أن يتباشرن، فجولاتهن وصولاتهن في سيارات الشارع، مع أبناء الطرقات سرعان ما يتلهف أبناء العم، القادمين من المهجر لمحوها، ولإظهارهن على أنهن بريئات حد السذاجة، وطاهرات فوق العادة….ها ها ها…، ولا عجب فحتى جل القادمين ليسوا الماء الطهور، والمقيمون هويات مسلوبة، يعاودون الكرة ألف مرة…

هناك تواطؤ على المجتمع من المجتمع، ولتصحيحه لابد من كل ما أسدله الهنود من قوة على الآلهة كالي ذات الأيادي، التي تعمل أشياء كثيرة في آن واحد، وكالى أهش من غشة، أتوب إلى الله من ذكرها، واستكفي بشكره عن شكرها…

ولي مآرب من هذا الكلام، فحواها أن الحال يجب تغييره، والدين يجب احترامه، فلا يعقل أننا بين الفينة والأخرى يتعاطى لنا أحد الشباب الحب، ويسكر بذكر الجنس على المواقع، وينسى المشاكل الاجتماعية الأهم، حيث المرأة المظلومة، والمنهوكة تتآكل مستكينة للظلم، ولا تريد أن تفيق، لا تريد أن تعرف أن أفكارها محض افتراءات آكلي القرابين، وناهبي لحوم البشر، وحين ينبغ أحد أبنائها في مضارب الأخوال، أو ردهات الشوارع ،لأن الفقراء يضطرون للتفكير، والإبداع سيسخر منه أولياء نعمته أولا قبل المجتمع، لأن أبناءهم-غالبا لا شيء غيرهم، هم بعضهم، سيارتهم، ومالهم، وإن أحس، وشعر، سيقولون ألم نربك فينا وليدا…، من أبوك؟ وأي وقاحة وتجاسر أخرجاك من طيات النسيان؟…

المرأة كائن عظيم له إرادة، ولا يجب اختصاره في ما يفضله الآخر، فيجب أن تكون، وأن تتزوج عن قناعة، وأن لا تسمح لأصحاب النزوات بجعلها عادية، ومكررة، تباع عواطفها بالنخاسة، وتنعت بالبخاسة، وعليها عدم التضحية بشبابها في سبيل من لا تقدﱢر فيهم أن يضحوا من أجل المستقبل، فالزواج كلمة براقة، لها آثار أخطر من التدخين أحيانا، بل من الكوكايين، والهروين، والحبوب المهلوسة، حيث يولد أطفال عاجزون، ونتيجة عجز الأم هي الأخرى، وتخلي الأب يصبحون عالة-كما قلت- لا يقدرون على شيء، وتكون الأم هي الخاسر الأكبر، تتألم وهم يبيتون في العراء، تنكوي بالنار وهم ينظر إليهم كعبء، وهو ما كانت في غنى عنه…

لأن التكافل الذي عناه الإسلام، وحض عليه لا نكاد نراه اليوم، ومع تطور البشرية أصبح الكثيرون حتى في عمق إيمانهم يحملون مسحة إلحاد، وإشراك، وأصبح العيش بحساء الدقيق(أنشه) يـُركـِزُ لدى الأطفال الشعور بالنقص، عدى نقص التغذية، لا سيما إن رافقه الإحساس أنك ابن امرأة واقعيا، وأن معيليك يوما لم يؤمنوا بشقائقهم، ببناتهم فكيف يؤمنون بضرورة وجودك؟…

من الحكمة أن لا نثقل كاهل الشيطان بالمسؤولية، وأن نبحث لها عن أهلها، وأن لا نزوج المرأة خوفا من العار فقط، ولنظل بيض السمعة أحرارا…، فالأحاديث التي تتحدث عن حرية الاختيار موجودة في الموطأ وغيره، وعلة إسقاطها على الواقع ومتغيراته لا تزال قائمة، ومنها :”لا تنكح البكر حتى تستأذن…، ولا الأيم حتى تُستأمر”، والتركيز على صرف البصر عن إمارة المرأة على نفسها كليا أو جزئيا، قد أصبح اليوم مشروعا فاشلا…، وفتح الأبواب للسقوط في براثن حاكمية الرجل المطلقة، وهو ما يحتاج للمراجعة…، ويذكرني بازدواجية الخطأ، التي قال عنها شاعر المرأة نزار قباني” في يوميات امرأة لا مبالية”:

يعود أخي من الماخور سكرانا…

يعود كأنه السلطان…

من سماه سلطانا…

ويبقى هو أطهرنا وأنقانا…

فسبحان الذي يمحو خطاياه…

ولا يمحو خطايانا…

وسبحان الذي سواه من ذهب…

ومن فحم رخيص نحن سوﱠانا.

وانتعال المرأة قبيح، وعبور الرجل فوق أحلام النساء بالفرسان قميء، ورديء، وهو ما يجعلنا جميعا ندق ناقوس الخطر، فنحن لا نريد للمرأة أن لا تعمل إلا في التثني في الإدارة طمعا في ود المدير، أو العامل، وهي مسائل تتكرر، إذ يكثر التحرش الجنسي في الإدارة، ويتعامل حكماء المكاتب مع طالبات العمل والعاملات على أنهن هبة الفراش، والترويح المشروع عن شدة العمل، وهو عارنا، الذي تجب مقاتلته، إنه نتن، رائحته مخلوطة برائحة حرائق الشعر، ولا تقل عنه بشاعة التخبط في الشارع، وفي دور الثقافة، و إرضاء غرور ذئاب البشرية، فنحن أمة عظيمة، ولا نعامل المرأة بما لا يليق، أو هكذا يقال، ويروج، وفي الواقع هناك مرارة في حال المرأة، والرجل-المقزز، الذي لا يفهم معنى ندية المرأة له، وسيرها جنبا لجنب معه، حتى المثقفون يعتقدون المثقفات مومسات، وهو غلط كرسته بعض الغبيات، اللواتي يعتقدن الموريتاني تحضر، وأصبح صديقا لقضايا المرأة، وأخريات سقطن في فخ الدعارة المقنعة، وما دام الأمر كذلك عند الرجل، فليصالح ذاته، ويـُرجع شقائقه للبيت إن استطاع-فهو مغلوب على أمره- ويتغنى مع إيليا أبي ماضي قائلا:

جشـﱠمـــوها كل أمر معضل وهي لم تخلق لغير المنزل

لأن الرجل الذي تخرج معه المرأة ليس هو ذلك الأرعن، الذي يتلاعب بعواطف طالبات العمل، وزبونات الإدارة، و يعتقدهن جئنه طمعا في وده، وضمهن إلى جواري إدارته، وفي الأمر ضياع معنى الدولة، والقيم، والأخلاق، والرجولة، فعلى موريتانيا السلام…، وليسامحنا الله جميعا.

بقلم: دداه محمد الأمين الهادي


شاهد أيضاً

مقال مميز في ذكرى رحيل المناضل محمد محمود ولد محمد الراظى

طالعت يوم أمس في أحد المواقع الألكترونية مقالا تحت عنوان “الوالد محمد محمود ولد محد …