أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / أضواء علي مقاطعة أوجفت

أضواء علي مقاطعة أوجفت

 بقلم الكاتب الصحفي: ديدي ولد محمد سلطان

قد يكون من المفيد – عند الحديث عن السياسة في أوجفت – استحضار صورة الماضي ، بما كان تدبير الحياة فيه من قبل الوجهاء والزعماء الذين لعبوا حينذاك دور السياسيين والفاعلين الاجتماعيين ، وهو تدبير تحلى بزينة الإيثار ، والحرص على المصلحة العامة.

وفي المقابل يمكن استدعاء الحاضر ، ليدلي بشهادته عن الإنسان والمكان ، وكيف نسيهما أبطال السياسة على قارعة الطريق .. هناك يمكن الاستئناس أولا بحال الأرض الشهباء ، وهي عارية من لحمها بفعل التصحر ، حيث لم توفق السياسة المتبعة منذ ربع قرن في تشجير شبر واحد، عساه يهدئ من ثورة الكثبان المتناثرة في عيون الناس، ولم تنقذ واحات النخيل المستغيثة من خطر التلال الرملية ، كما لم تدعم التعاونيات ، لتغدو جسرا مهنيا لعبور التنمية إلى فضاء المقاطعة..
وأوجفت التي ألفت في الماضي شبابا فاعلا ومهتما بالثقافة ، و الرياضة ، والشعر ، والأدب ، والسينما ، والمرح تحت نور القمر في ربوع سكنها الجمال والجلال ، ما عاد سكانها اليوم يسمرون سوى على الحكايات السياسية ، وكيف فعل فاعل سياسي ، أو انفعل ضد خصمه ، أو تفاعل مع قاعدته الضيقة أو غدا مفعولا به خارج اللعبة السياسية ، ربما لأن منافسيه نضج في مختبرهم بديل له.

هكذا هي السياسة إذن غدت في الميدان ملهاة إن لم نقل مأساة ، لأن الكثيرين انشغلوا بها عن جوانب التنمية الاجتماعية ، والاقتصادية ، والثقافية ، وحضرت في أذهانهم بشكل دائم الصورة الوهمية عن فردوس الحزب ، أو الطائفة ، أو اللائحة ..

من هنا عانقت مدينة أوجفت ضروبا من التجاهل والنسيان، ورحلة طويلة من الفاقة والمشقة، كابدها الأبرياء والضعفاء، دافعين بذلك ثمن التشبث بالأرض، والواحة ، والهضبة ، بل قساوة الظروف وشظف العيش ..

هناك في هذه المقاطعة التليدة، تعاني الخمائل من فقدان السدود ، ومحاصيل التمور والخضروات من التلف والكساد ، ويفتقر المستوصف لأبسط الخدمات الإستشفائية ، من جراء انعدام الأجهزة ، ونقص في الأدوية ، وتغيبات لبعض طواقمه الطبية .. ويحتاج السكان قبل ذلك لسبل العيش الناعم ، حيث لا يصل إليهم قوتهم إلا بعد أن تجود به روح شاحنة متهالكة تم تأجيرها بفضل الله ، ومع ذلك تضرب السياسة خيامها في قلوب الناس ، ظنا منهم أنها تحمل مفاتيح الرخاء..

ليست السياسة – في حد ذاتها – عملا مكروها ، وإنما هي تدبير شأن عام ، وقد وصل بها العامة – كما في أثينا قديما – إلى مراتب الخاصة، لكن أليس من الاهتمام بالشأن العام الدفاع عن مصالح شعب يقع في جوف الصخور، وتبلغ رحلة قمحه وأساسيات حياته مسافة طويلة ، موصولة بقطعة من الكثبان والأودية مرصعة بسلاسل الهضاب الوعرة ؟!

ألم يكن بمقدور الفاعلين، والمنتخبين متابعة ملفات تهم المقاطعة كسدود معطلة، وحقوق مغيبة، ومشاريع أخطأت التوجيه إلى مناطقها المستحقة ؟.

كان على الفاعلين، والأطر، والوجهاء تحريك الجيوب من أجل تمويل أنشطة شبابية أو نسائية كإسهام يرشد إلى فعل محمود ومنشود في صميم تفعيل الوعي والممارسة ، وكان مهما لمجتمع السياسة مساعدة المزارعين الميدانيين في إيجاد وسائل نقل سريعة لمحاصيلهم من زراعة الواحات ، التي كثيرا ما اعترضها التلف في منتصف الطريق. المصيبة الكبرى هي أن أي عمل محلي قد يجد من يكسوه حلة سياسية ، ولعل ذلك من الأسباب التي عمقت الحساسيات بين الفرقاء الميدانيين ، وحتى بين شيعتهم السياسية ، وهو ما لم يسهم في تكريس العمل الجماعي المطلوب للتنمية والنهوض، بواقع مدينة تحتاج لمجهود الجميع في دفع مسار الحياة من كل جوانبها المعيشية، والصحية ، والإنتاجية .. تحتاج لإنعاش الزراعة ، وجلب التمويلات للواحات والتنظيمات الأهلية ، وبعث الأمل في نفوس المحتاجين ، والعاطلين ، وأصحاب المبادرات ..

ففي مقاطعة أوجفت اليوم توجد كل مقومات النهوض كامنة في الأرض والإنسان، حيث معالم السياحة ، وخصوبة التربة ، ووفرة المياه ، ووجود الآثار ، والمساحات الزراعية الشاسعة ، ثم توفر الإرادة والاستعداد لدى السكان ، الذين فجروا الحياة من قمم الجبال ، ورسموا في الماضي لوحة الحضارة على جبين التاريخ .. وعليه فما يحتاج إليه هؤلاء، ليس أكثر من جعل السياسة في خدمة التنمية ، وليس ذلك بحمل بعير ، ومد يد العون لكل من يحمل المعول ، هادفا تسديد ضربة للفقر.

كان من الضروري لمقاطعة كأوجفت متجانسة التربة السياسية –حيث تقترع لكل مرشحي الرئاسة بأغلبية، وتنتمي للحزب الحاكم بغالبية ، وتساند النظام على الدوام- أن تجد انعكاسا لذلك التجانس في تجليات الواقع ، ومشاهد الحياة. وكان من اللازم أن تشعر قاعدتها الناخبة – بشكل ملموس – أنها أفرزت منتخبين ، ورتبتهم في طليعة الركب، ليكونوا سندا لها، عندما يقل الزرع، ويجف الضرع، وتنتشر حمى الملا ريا، والوادي المتصدع .. وعندما تلبس عجوز سواد الليل باحثة عن خبر توزيع حفنة من المأكول، ويقول قابعون في ريف المقاطعة “لم نستفد حتى من نعمة التلقيح”.. حينها تتطلب السياسة والمدينة الفعل والفاعل، بل الفاعلين غير المنشغلين بالتمييز بين الأعداء والأصدقاء السياسيين، إذ في النهاية ليس في السياسة عداوة ولا صداقة، وإنما هي ممارسة انسيابية تحتاج من يمتلك ظلا خفيفا وحسا ظريفا..
المصدر صحيفة البداية

 

شاهد أيضاً

مقال مميز في ذكرى رحيل المناضل محمد محمود ولد محمد الراظى

طالعت يوم أمس في أحد المواقع الألكترونية مقالا تحت عنوان “الوالد محمد محمود ولد محد …